سوريا: الواقع على الارض و اعادة صياغة المواقف








القراءة المنطقية للاوضاع في سوريا تشير الى استفاذ الاطراف الدولية المنخرطة في الصراع لاوراقها على الارض. مما يعني ان تحولاً لافتاً لابد ان يطرأ على المشهد السوري بشقيه العسكري المتعلق بمكافحة الارهاب و السياسي المتعلق باخراج "جنيف ٣" من حالة الجمود التي يمر بها.

التنافس الامريكي الروسي في سوريا يبدو انه يسير باتجاه الحسم. فالفشل كان حليف كافة المحاولات الامريكية التي هدفت لبناء قوة عسكرية على الارض قادرة على لعب دور فعال في معادلة مكافحة الارهاب والتأثير على المشهد السياسي السوري. في المقابل استطاعت موسكو عبر تحالفها مع الجيش السوري ان تحدث تحولاً لافتاً في المسار العسكري على الارض، مما جعل واشنطن تسعى لكسر حصرية الانجاز "الروسي السوري" على الاقل في مسألة تحرير الرقة و المناطق المحيطة من داعش.  لكن مع سقوط اخر اوراق واشنطن المتمثلة ب "جيش سوريا الجديد" و خسارته الكبيرة في معركة البوكمال، فلابد ان تسعى الادارة الامريكية لصياغة نمط جديد من التفاهمات مع موسكو بحيث تنتقل الامور الى مرحلة التنسيق العلني و الذي يمثل اقراراً امريكياً بواقع القوى على الارض في سوريا و ضرورة التعاطي المباشر معه.
هذا يعني ان المرحلة القادمة لابد ان تشهد توافقات على نقاط الخلاف المتعددة بين الطرفين، اهمها، الاهداف الواجب استهدافها و طبيعة التعاطي مع الجماعات المسلحة بما فيها جبهة النصرة و من جهة اخرى الية تفعيل العملية السياسية و اخضاع جميع الاطراف للحل السياسي وفقاً للمعطيات الواقعية على الارض.

ضمن هذا الاطار تظهر عوامل اضافية مساعدة لفكرة انجاز الحل السياسي للازمة السورية، اهمها الموقف الاوروبي الجديد الذي بدأ يكسر تابوهات التعاطي مع الملف السوري و التي تم صياغتها في بداية الازمة السورية. فالاخبار المتعلقة بزيارات الوفود الاوروبية الي دمشق او العكس بدأت تتكرر بصورة تظهر تحولاً لافتاً في الموقف الاوروبي الذي لا بد ان يصل لنقطة الاعلان الرسمي عن هذه العلاقة.
من جهة أخرى لابد للاستدارة التركية السياسية تجاه روسيا و مجمل ملفات المنطقة ان تلقي بظلالها على طبيعة الموقف التركي من الازمة السورية، خصوصاً ان تركيا اليوم مضطرة للنأي بنفسها عن تهمتي تأزيم المنطقة سياسياً و تصعيد الاوضاع في سوريا عبر فتح الحدود و الدعم الموجه لكثير من الجماعات المقاتلة في سوريا.

على الصعيد الاقليمي، لم يعد خافياً على أحد حجم المحاولات الدولية المتكررة لتفعيل عملية السلام و اخراجها من حالة الجمود. منطقياً لابد ان تسعى الادارة الامريكية لتبني محاولات جادة لدفع عملية السلام او القيام بخطوات تنتهى بمساهمة حقيقية من قبل الرئيس أوباما "الحائز على جائزة نوبل للسلام" للتأسيس للحل او وضع صيغة جديدة للتسوية الاقليمية.
 يضاف الى ذلك تشكل مناخ من التفاهمات الروسية الامريكية التي ترى بها واشنطن حالة ايجابية يمكن توظيفها للضغط على جميع الاطراف تجاه القبول بالمحاولة الامريكية التي قد تأخذ في صورتها النهائية قراراً أممياً جديداً يبلور رؤية الادارة الامريكية للحل.
لهذا، اذا افترضنا ان الادارة الامريكية تحرص فعلياً الا تنتهي الشهور الاخيرة من عمرها دون احداث خطوات جذرية في ملف السلام، فهذا لا يمكن ان يتم قبلتنجاز  ترتيبات الملف السوري و اعلان انطلاق التسوية السياسية. لهذا لابد للمعطيات على الارض في سوريا أن تنعكس على شكل التفاهمات الدولية الجديدة و تعيد صياغة بعض المواقف بما يتناسب مع الواقع على الارض.

د.عامر السبايلة
amersabaileh@yahoo.com