في لحظة تبدو فيها الخيارات الإيرانية أضيق من أي وقت مضى، لم يعد تحريك الميليشيات مجرد وسيلة لإدارة النفوذ خارج الحدود، بل أصبح جزءاً من حسابات البقاء السياسي والأمني للنظام نفسه. فالتصعيد الذي تشهده المنطقة، من اليمن إلى العراق، لا يمكن فصله عن التحولات التي تجري داخل إيران، ولا عن محاولة طهران الاحتفاظ بأوراق يمكن استخدامها في أي تفاوض مقبل، في وقت تتراجع فيه قيمة كثير من الأدوات التي اعتمدت عليها طوال السنوات الماضية.
ما تغير هو أن إيران لم تعد تدير شبكة نفوذها الإقليمية من موقع القوة الذي عرفته المنطقة خلال العقد الماضي. فلبنان يمر بمرحلة مختلفة، والوجود الإيراني في سوريا فقد الكثير من مقوماته السابقة، فيما أصبحت المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر كلفة. وحتى التلويح بأوراق استراتيجية مثل مضيق هرمز لم يعد بالسهولة نفسها، في ظل الانتشار العسكري الأمريكي والتغير الكبير في البيئة الأمنية للخليج.
لذلك تبدو اليمن والعراق اليوم أكثر أهمية في الحسابات الإيرانية. ليست المسألة أن طهران تريد بالضرورة فتح جبهات جديدة، وإنما أنها تحتاج إلى إثبات أن لديها القدرة على إزعاج خصومها عندما تريد، وأن شبكة الوكلاء، رغم ما أصابها من تراجع واستنزاف، لم تفقد بالكامل قدرتها على إنتاج التهديد. وفي هذه المعادلة تحديداً يتحول الهجوم من مجرد عمل عسكري إلى رسالة سياسية، ويصبح توقيت التصعيد جزءاً من لغة التفاوض نفسها.
وهذا ما يجعل استهداف السعودية من خلال الحوثيين، أو احتمال تزامن عمليات تنطلق من اليمن والعراق، أكثر من مجرد تطور أمني. فالرسالة لا تتوجه إلى الرياض وحدها، وإنما تصل أيضاً إلى واشنطن: إيران ما زالت قادرة على التأثير في أمن المنطقة، وأي تفاهم معها لا يمكن أن يتجاهل ما تبقى من قدرتها على تحريك أدواتها خارج حدودها.
لكن المفارقة أن استخدام هذه الأدوات يكشف في الوقت نفسه حجم المأزق الذي وصلت إليه طهران. فعندما تصبح الميليشيات آخر ما يمكن استخدامه في الضغط، فهذا يعني أن الخيارات الأخرى بدأت تضيق.
في لبنان، يستمر الضغط الإسرائيلي على حزب الله واستهداف قدراته العسكرية ومقدراته بصورة متواصلة، الأمر الذي جعل الجبهة اللبنانية مختلفة تماماً عن موقعها السابق في الاستراتيجية الإيرانية. لم تعد هذه الجبهة تمتلك وحدها القدرة على إنتاج معادلة الردع التي كانت تمثلها قبل سنوات، فيما أصبحت كلفة إعادة تفعيلها أكبر بكثير.
أما سوريا، فقد خرجت إلى حد كبير من الحسابات الإيرانية المباشرة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات، بينما أصبح استخدام القوة المباشرة في الخليج أكثر حساسية بسبب الوجود العسكري الأمريكي. وفي هذه البيئة، يصبح البحث عن ساحات بديلة أمراً منطقياً بالنسبة لطهران، خصوصاً تلك التي تستطيع من خلالها العمل عبر وكلاء محليين، وبمساحة تسمح لها بالإنكار والمناورة.
من هنا تكتسب اليمن أهمية استثنائية. فالحوثيون يوفرون لإيران أداة تستطيع من خلالها إبقاء الضغط على الخليج قائماً، وتهديد المصالح والمنشآت الحيوية، من دون أن تضطر طهران إلى إعلان مسؤوليتها المباشرة عن كل عملية. وهذه المساحة من الغموض هي بحد ذاتها جزء من قيمة الوكيل.
لكن المسألة لا تتوقف عند الخارج. فالتغييرات الأمنية التي أُعلن عنها في طهران تحمل مؤشرات على أن القيادة الإيرانية بدأت تتعامل مع احتمال انتقال مركز الأزمة تدريجياً إلى الداخل. الأسماء التي جرى الدفع بها ليست غريبة عن المنظومة الأمنية والعسكرية، لكن اختيار شخصيات قريبة من الدائرة الصلبة للنظام، وتوليها ملفات ذات طبيعة أمنية حساسة، يمكن قراءته باعتباره استعداداً لمرحلة لا تقتصر فيها التهديدات على الخارج.
هناك شعور متزايد بأن المعركة المقبلة قد تكون مرتبطة بقدرة النظام على ضبط الداخل، ومنع تحوّل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى انفجار أوسع. ولذلك فإن إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية لا تعكس فقط الاستعداد لمواجهة تهديدات خارجية، وإنما أيضاً محاولة لتحصين النظام في مرحلة انتقالية دقيقة.
وهنا يصبح الصمت الأمريكي في بعض المراحل ذا دلالة مختلفة. فإذا كانت واشنطن تفضل الضغط على الأدوات الإيرانية المتبقية في الإقليم بدلاً من الدخول مباشرة في مواجهة شاملة مع طهران، فإن النتيجة المحتملة هي تضييق مساحة الحركة أمام إيران تدريجياً. واستهداف ما تبقى من قدراتها في اليمن والعراق يعني، عملياً، تجريدها من جزء أساسي من قدرتها على نقل المواجهة بعيداً عن أراضيها.
وعندها تصبح المعركة أقرب إلى الداخل الإيراني.
هذا يفسر أيضاً لماذا يمكن أن يصبح التصعيد الخارجي وسيلة لحماية الشرعية الداخلية. فالنظام الإيراني لا يواجه فقط أزمة في أدواته الإقليمية، وإنما يواجه سؤالاً حول قدرته على الحفاظ على صورة القوة التي ارتبطت بها شرعيته السياسية خلال العقود الماضية. وأي تسوية كبيرة مع الولايات المتحدة يمكن أن تُقرأ داخل إيران باعتبارها تراجعاً عن مشروع إقليمي قدمه النظام طويلاً باعتباره أحد مصادر قوته ومبررات وجوده.
لذلك تصبح الميليشيات مفيدة حتى عندما لا تحقق انتصاراً عسكرياً. يكفي أن تبقى قادرة على تنفيذ هجوم، أو تهديد منشأة، أو إرباك حسابات خصم، لكي تمنح طهران شيئاً تستطيع وضعه على طاولة التفاوض.
وهنا أيضاً تتغير وظيفة استراتيجية "وحدة الساحات". لم تعد بالضرورة مشروعاً لفتح جميع الجبهات في وقت واحد، بقدر ما أصبحت محاولة لإبقاء هذه الجبهات قابلة للاستخدام. فإيران لا تحتاج اليوم إلى السيطرة الكاملة على الساحات التي بنت نفوذها فيها؛ يكفيها أن تحتفظ بقدرة محدودة على تحريكها عندما تحتاج إلى ذلك.
لكن استمرار هذا النهج يخلق معادلة خطيرة. فكلما اقتربت فرص التفاهم السياسي، يمكن أن يرتفع مستوى التصعيد الميداني، لأن العمليات تصبح جزءاً من عملية التفاوض نفسها. وهنا تنقلب وظيفة المفاوضات: بدلاً من أن تؤدي إلى خفض التوتر، تتحول إلى مرحلة يجري فيها اختبار أدوات الضغط وتعزيز المواقع قبل الوصول إلى أي اتفاق.
السعودية تجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فالاستهداف الحوثي المباشر للمصالح السعودية لا يمثل فقط تهديداً أمنياً، بل يفتح احتمالاً أخطر يتمثل في محاولة نقل جزء من الأزمة الإقليمية إلى البيئة السعودية أو إلى المناطق المحاذية لها في اليمن.
والرياض تدرك أن التعامل مع هذا النوع من التهديد لا يمكن أن يعتمد فقط على الرد العسكري بعد وقوع الهجوم. ولهذا اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع شبكة علاقاتها الأمنية والدفاعية، من التعاون البحري إلى بناء شراكات عسكرية أوسع مع قوى إقليمية، بما في ذلك تركيا وباكستان. الاتفاق الدفاعي السعودي-الباكستاني-التركي يعبّر بوضوح عن رغبة في توسيع دائرة الردع وعدم ترك الأمن السعودي مرتبطاً بمظلة واحدة.
لكن التحالفات لا تحل وحدها مشكلة الحدود.
فالخطر الحقيقي يكمن في تحويل المناطق المحاذية للسعودية إلى بيئات مستمرة من عدم الاستقرار، تسمح بانتقال التهديد من اليمن إلى الأراضي السعودية، أو باستخدام الأراضي العراقية في عمليات ضد المملكة. ولذلك فإن منع تشكل واقع أمني جديد حول السعودية قد يكون أكثر أهمية من التعامل مع كل هجوم باعتباره حادثة منفصلة.
وفي العراق تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فالميليشيات العراقية التقليدية لم تعد وحدها مصدر القلق. فظهور تشكيلات ومسارات جديدة، ونقل أسلحة وتقنيات إليها، يفتح المجال أمام استخدام أدوات يصعب تحديد علاقتها المباشرة بطهران. وهذه هي القيمة الأساسية لمثل هذه التشكيلات بالنسبة لإيران: القدرة على تنفيذ التصعيد مع ترك مسافة سياسية وأمنية تسمح بالإنكار.
وهنا تواجه الحكومة العراقية الاختبار الأصعب. هل تستطيع الدولة إنهاء ظاهرة السلاح خارج سيطرتها، أم أن استمرار هذا الواقع سيقود إلى تكرار النموذج اللبناني، حيث يصبح وجود الدولة قائماً، لكن قدرتها على احتكار قرار الحرب والسلم محدودة؟
المسألة لم تعد تتعلق فقط بالفصائل المعروفة، وإنما أيضاً بالتشكيلات التي ظهرت أو أعيد تفعيلها لتكون جزءاً من أدوات التصعيد الإقليمي. وفي هذا السياق تبرز أسماء مثل حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وعصائب أهل الحق، إلى جانب تنظيمات أخرى مثل الوارثين وسرايا الخراساني.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في أسماء هذه الجماعات، وإنما في تحول العراق إلى مساحة يمكن من خلالها إعادة إنتاج الصراع الإقليمي بصورة غير مباشرة. فإذا أصبح العراق منصة لضرب السعودية أو مصالح دول أخرى، فإن بغداد ستجد نفسها أمام معادلة يصعب احتواؤها سياسياً، خصوصاً إذا تحولت الضربات المتبادلة إلى نمط دائم.
وفي النهاية، تبدو إيران أمام مرحلة مختلفة تماماً عن المرحلة التي بنت خلالها مشروعها الإقليمي. الميليشيات التي كانت في وقت ما أدوات للتوسع وبناء النفوذ أصبحت اليوم أدوات للحفاظ على ما تبقى من النفوذ، وربما للحفاظ على النظام نفسه.
كلما زاد الضغط داخل طهران، زادت الحاجة إلى إبقاء الضغط خارجها.
وهذا هو جوهر المعادلة الجديدة: إيران لا تستخدم وكلاءها اليوم فقط لكي تتقدم في الإقليم، وإنما لكي تمنع خصومها من دفعها إلى التراجع أكثر. ولذلك فإن فهم التصعيد الحالي لا يبدأ من صنعاء أو بغداد أو بيروت، بل من داخل إيران، حيث أصبحت معركة السلطة والاستقرار الداخلي مرتبطة بصورة مباشرة بشكل المواجهة في الإقليم.
وعندما تصبح الميليشيات آخر أوراق التفاوض، فإن السؤال لم يعد فقط حول قدرتها على تنفيذ هجوم جديد، بل حول ما إذا كانت طهران ستتمكن من الاحتفاظ بهذه الورقة قبل أن تنتقل المعركة، بصورة أكثر مباشرة، إلى الداخل الإيراني نفسه.
د. عامر السبايلة