لم يعد المشهد بين الولايات المتحدة وإيران يُدار بمنطق الضربات العسكرية وحدها، بل بات محكوماً بمعادلة جديدة قوامها أن واشنطن أصبحت الطرف الذي يمتلك قرار التصعيد وقرار التهدئة في آن واحد. فهي التي تختار توقيت بدء العمليات، وهي التي تحدد سقفها وتوقيت احتوائها، بما يجعل إيران أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي مرحلة سابقة، بعدما انتقل زمام المبادرة تدريجياً إلى الجانب الأميركي.
ورغم تأكيد طهران استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، فإن هذه القنوات لا تعني بالضرورة وجود مفاوضات مباشرة، بقدر ما تعكس محاولة إيرانية لإدارة الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر، وكسب الوقت في مواجهة ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية تتصاعد بصورة متواصلة.
وفي هذا الإطار، يبقى مضيق هرمز أبرز أوراق القوة التي تمتلكها إيران، لكنه في الوقت نفسه يحمل في داخله أحد أهم عناصر ضعفها. فالتلويح بتهديد الملاحة قد يوفر ورقة ضغط مؤقتة، إلا أن الإفراط في استخدامها يحولها سريعاً إلى مبرر لتدويل الأزمة، وإعادة بناء تحالفات بحرية ودولية أكثر تماسكاً، بما يجعل الكلفة الاستراتيجية على إيران أكبر بكثير من المكاسب التي قد تحققها.
ولهذا، تسعى طهران إلى توسيع دائرة التفاهمات مع الدول المطلة على المضيق، ليس فقط للحفاظ على هامش من الاستقرار، وإنما أيضاً لمنع تحول هرمز إلى منصة لتدخلات دولية أوسع تستهدف تقليص نفوذها البحري والإقليمي.
ولا تقتصر خيارات إيران على مضيق هرمز وحده، إذ تقوم استراتيجيتها الإقليمية على توزيع أدوات الضغط بين عدة ساحات. ففي اليمن، تبدو جبهة الحوثيين مرشحة لاستعادة دورها عبر تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وإعادة توجيه الضغوط نحو السعودية ودول الخليج، خصوصاً بعد تراجع فعالية الساحتين اللبنانية والسورية في خدمة استراتيجية التصعيد الإيرانية. أما في العراق، فمن المرجح استمرار الاعتماد على كيانات مسلحة ذات طابع غير تقليدي، تمنح طهران هامشاً من الإنكار السياسي، مع الإبقاء على الضفة الغربية كإحدى الساحات المحتملة لإحياء ما تبقى من مفهوم "وحدة الساحات". إلا أن القاسم المشترك بين هذه الجبهات يبقى السعي إلى توسيع دائرة الفوضى ورفع الكلفة الأمنية على خصوم إيران.
غير أن قدرة هذه الأدوات على إحداث تحول استراتيجي تبقى محدودة. فكلما اتجهت إيران نحو تهديد الملاحة الدولية، ازدادت فرص تشكل اصطفاف دولي أكثر تماسكاً في مواجهتها. ومع التحول التدريجي في الموقف البريطاني واقترابه من الرؤية الأميركية، إلى جانب وجود تحالفات بحرية قائمة بالفعل في البحر الأحمر والخليج، تبدو أوروبا مرشحة للانتقال من دور المراقب إلى دور أكثر فاعلية في حماية الممرات البحرية الدولية.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر قدرة على إدارة إيقاع التصعيد. فهي لم تعد تتعامل معه باعتباره رد فعل على السلوك الإيراني، بل كأداة استراتيجية قابلة للرفع أو الخفض وفقاً لمعادلات الطاقة والأسواق وحسابات الردع. فكلما اقتربت أسعار النفط من مستويات تؤثر في الاقتصاد العالمي، تعود لغة التهدئة والمفاوضات إلى الواجهة، وما إن تستقر الأسواق حتى تستأنف واشنطن سياسة الضغوط والتصعيد، وهو ما أفقد إيران جانباً مهماً من قدرتها التقليدية على استخدام النفط والممرات البحرية كورقة ضغط استراتيجية.
ومع ذلك، لا تبدو الخيارات الأميركية مفتوحة على مصراعيها. فواشنطن لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، كما لا ترغب في الوصول إلى مرحلة تستوجب تدمير شامل للبنية التحتية للطاقة أو الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة، لما يحمله ذلك من أكلاف سياسية وعسكرية واقتصادية مرتفعة.
لذلك، تشير المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة انتقلت من استراتيجية الضربات المحدودة إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، يكون فيها الزمن نفسه جزءاً من أدوات الضغط، وليس مجرد إطار زمني للعمليات العسكرية. فالهدف لم يعد تحقيق نصر سريع، وإنما إضعاف القدرات الإيرانية تدريجياً، واستنزاف موارد الدولة، وتقليص قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم نجاح الضربات الأميركية لا ينبغي أن يرتبط بعدد العمليات أو مدتها، بل بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها بعيدة المدى، والمتمثلة في تقليص القدرات العسكرية والأمنية الإيرانية، وإضعاف منظومة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.
وفي حال استمرار الضربات داخل إيران، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على مؤسسات الدولة، وأن تتعمق الأزمات الداخلية، في وقت تعمل فيه إسرائيل على ترسيخ موقعها بوصفها اللاعب الاستخباري الأكثر تأثيراً في إدارة المرحلة المقبلة، عبر إعادة فتح ملفات البرنامج النووي، وأماكن تخزين أجهزة الطرد المركزي، والمنشآت التي ما تزال تحتفظ بقدرات تشغيلية رغم الضربات السابقة.
وهذا يعني أن القرار الأميركي قد يصبح أكثر ارتباطاً بالمعلومات الاستخبارية الإسرائيلية، بما قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من التصعيد وفقاً للمعطيات الميدانية، وليس وفق جداول زمنية ثابتة.
ولا يمكن فهم هذه الاستراتيجية الأميركية بمعزل عن التحولات الدولية الأوسع. فالصراع مع إيران لم يعد ملفاً إقليمياً منفصلاً، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. ومن هنا، فإن أي تطور في أوكرانيا، أو في بحر قزوين، أو في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على طبيعة المواجهة مع إيران.
ومن وجهة النظر الأميركية، تتجاوز هذه المواجهة حدود الملف النووي، لتصبح جزءاً من مشروع أوسع لإعادة فرض الهيمنة الأميركية واستعادة زمام المبادرة في النظام الدولي. ولهذا، لم تعد واشنطن تفصل بين القوة العسكرية والدبلوماسية، بل باتت تعتمد مفهوم "المفاوضات تحت النار"، حيث تتحول الضغوط العسكرية إلى وسيلة لفرض شروط سياسية جديدة.
وفي المقابل، تدرك إيران أن نفوذها لا يقوم على ساحة واحدة، وإنما على شبكة مترابطة من الحلفاء والامتدادات الإقليمية والدولية، تمتد من العراق واليمن إلى علاقاتها مع روسيا والصين وفنزويلا. غير أن تماسك هذه الشبكة بات يواجه تحديات متزايدة، سواء بفعل الضغوط الأميركية أو نتيجة تراجع فعالية بعض ساحات النفوذ التقليدية.
وفي هذا السياق، تبدو الصين معنية أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على استقرار الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، نظراً لاعتمادها الكبير على تدفق الطاقة. ولذلك، من المرجح أن تواصل بكين لعب دور الوسيط أكثر من دور الداعم المباشر لطهران، حفاظاً على مصالحها الاقتصادية وتجنباً للدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
وفي الوقت ذاته، تعمل واشنطن على إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي عبر السيطرة على الممرات الاقتصادية، ومصادر الطاقة، والمعادن الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن ما يجري في الشرق الأوسط لا يمثل أزمة منفصلة، بل يشكل إحدى حلقات التنافس الدولي الممتد من أوروبا الشرقية إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
في المحصلة، لا تبدو المنطقة متجهة نحو حرب شاملة أو تسوية سياسية قريبة، بقدر ما تتجه إلى مرحلة طويلة من إدارة الصراع. فالولايات المتحدة تراهن على استنزاف إيران تدريجياً، وتقليص نفوذها الإقليمي، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بصورة تجعل إعادة إنتاج هذا النفوذ أكثر كلفة وأقل قدرة على الاستمرار. وفي المقابل، تحاول طهران الحفاظ على ما تبقى من أوراق القوة التي تمكنها من تحسين موقعها التفاوضي ومنع خصومها من فرض معادلة جديدة بصورة كاملة. وفي ظل هذه المعادلة، لن يكون الحسم العسكري السريع هو العامل الفاصل، بل ستكون القدرة على الصمود وإدارة الاستنزاف هي المعيار الحقيقي الذي سيرسم ملامح المرحلة المقبلة.
د.عامر السبايلة