لماذا أصبح الأردن هدفاً في الاستراتيجية الإيرانية؟

 



26/7/2026

لم يعد إدراج الأردن ضمن الحسابات الإيرانية حدثاً يمكن التعامل معه باعتباره تطوراً معزولاً، بل بات يعكس انتقالاً إلى مرحلة جديدة في مسار المواجهة الإقليمية، قد تتسع وتتعمق خلال الأسابيع المقبلة مع سعي طهران إلى تعويض خسائرها الاستراتيجية في عدد من الساحات وإعادة توزيع أدوات الضغط التي اعتمدت عليها خلال السنوات الماضية.

تنظر إيران، منذ سنوات، إلى نشر الفوضى وعدم الاستقرار باعتباره أحد المرتكزات الأساسية في عقيدتها الاستراتيجية. ومع تراجع هامش حركتها في الخليج نتيجة ارتفاع مستوى الردع وتعاظم الوجود العسكري الغربي، باتت تركز بصورة أكبر على دول مثل البحرين والكويت، انطلاقاً من تقديرها بأن أي إعادة انتشار أو تقليص للوجود العسكري الأمريكي في الخليج سيدفع واشنطن إلى تعزيز حضورها في الأردن بوصفه نقطة ارتكاز أكثر أمناً.

ومن هذا المنطلق، يصبح الأردن هدفاً طبيعياً في الحسابات الإيرانية، ليس فقط باعتباره شريكاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة، وإنما أيضاً بسبب موقعه الجغرافي المحوري في معادلة الأمن الإقليمي، وامتلاكه أطول حدود برية مع إسرائيل.

ولا يعني ذلك أن الأردن تحول إلى مركز لوجستي للهجمات الأمريكية ضد إيران، فالمسألة في الرؤية الإيرانية تتجاوز الوجود العسكري الأمريكي. إذ إن محاولات استهداف الأردن سبقت هذه التطورات عبر شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، واستثمار الساحتين السورية والعراقية، بما يؤكد أن استهدافه يندرج ضمن استراتيجية أوسع تستهدف الجغرافيا ذات القيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة.

كما تابعت طهران المشهد الداخلي الأردني منذ اندلاع الحرب في غزة، وهو ما يفسر تصاعد خطابها السياسي والإعلامي الموجه إلى الداخل الأردني، في محاولة لاختبار قدرة الدولة على الصمود، وإظهار قدرتها على التأثير في استقرار دولة محورية في الإقليم.

ويبقى التحدي الأردني الأهم داخلياً، إذ يفتح استمرار الفراغ في الخطاب الوطني المجال أمام أطراف إقليمية لمحاولة التأثير في الرأي العام. لذلك، فإن تطوير رواية وطنية قادرة على التواصل مع الداخل، وتعزيز الشعور والهوية الوطنية، بات جزءاً أساسياً من حماية الجبهة الداخلية.

ومع تراجع فعالية ما عُرف بـ"وحدة الساحات"، واحتواء معظم الجبهات التي اعتمدت عليها إيران خلال السنوات الماضية، قد ترى طهران أن فتح ساحات جديدة يمثل الخيار الأكثر واقعية لاستعادة قدرتها على الردع السياسي. وفي هذا الإطار، يبرز الأردن باعتباره إحدى الساحات التي يمكن استخدامها لإرباك البيئة الأمنية الإقليمية وتعويض التراجع المتوالي لجبهات النفوذ الإيراني.

ولا يقتصر هذا التحول على الأردن، بل يمتد إلى إعادة توزيع أدوات الضغط الإيرانية في الإقليم. وفي هذا السياق، تبدو جبهة الحوثيين مرشحة لاستعادة دورها عبر تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وإعادة توجيه الضغوط نحو السعودية ودول الخليج. وتشير المؤشرات إلى أن الحرس الثوري الإيراني عمل خلال الأسابيع الماضية على إعادة تفعيل هذه الجبهة، بعد تراجع قدرة جبهتي لبنان وسوريا على خدمة استراتيجية التصعيد الإيرانية.

أما في العراق، فقد يستمر الاعتماد على كيانات مسلحة غير تقليدية لتنفيذ عمليات محدودة تمنح طهران هامشاً من الإنكار السياسي، مع الإبقاء على الضفة الغربية كإحدى الساحات المحتملة لإحياء ما تبقى من فكرة "وحدة الساحات". إلا أن توسيع دائرة الفوضى يظل الهدف المشترك الذي يربط بين هذه الجبهات.

لكن في المقابل، يصعب تصور أن المجتمع الدولي سيقبل باستمرار تهديد الملاحة الدولية أو تكريس منطق القرصنة البحرية. فمثل هذه التحركات قد تمنح إيران أوراق ضغط مؤقتة، لكنها قد تصبح أيضاً عاملاً لإعادة بناء تحالف دولي أكثر تماسكاً. ومع بوادر التحول في الموقف البريطاني واقترابه من الرؤية الأمريكية، ووجود تحالفات بحرية قائمة بالفعل، تبدو أوروبا مرشحة للانتقال تدريجياً إلى دور أكثر فاعلية في حماية أمن البحر الأحمر والخليج.

لذلك، فإن الأسابيع المقبلة مرشحة لأن تشهد مرحلة جديدة من التصعيد الإيراني، عنوانها توسيع نطاق الفوضى الإقليمية، ومحاولة الضغط على دول الخليج، وتقويض الاستقرار في الأردن، وفتح ساحات توتر جديدة تشكل عبئاً أمنياً وسياسياً على المنطقة وحلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.

د. عامر السبايلة