تصعيد الضربات داخل إيران… من الضغط العسكري إلى إعادة تشكيل مسرح الصراع

 


21/7/2026

يشير انتقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توسيع نطاق الضربات المباشرة داخل الأراضي الإيرانية، واستهداف مواقع متعددة بصورة تدريجية، إلى تحول مهم في طبيعة المواجهة مع إيران. فمن جهة، يعكس هذا المسار العودة إلى استراتيجية "المفاوضات تحت النار"، وهي المقاربة التي ميّزت سياسة هذه الإدارة في التعامل مع الخصوم، حيث يُستخدم التصعيد العسكري أداةً لتعزيز الموقع التفاوضي وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي.

غير أن أهمية هذه الضربات لا تقتصر على كونها وسيلة للضغط السياسي، بل تشير إلى تحول أعمق في طريقة إدارة الصراع مع إيران. فاستهداف المناطق الساحلية، والقطعات العسكرية، ومراكز الإسناد، والموانئ المطلة على الخليج العربي، يعكس بداية مرحلة تهدف إلى احتواء القدرات الإيرانية وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة الدولية أو استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.

وفي المقابل، فإن توسيع نطاق الضربات باتجاه العمق الإيراني، عبر استهداف البنية التحتية بصورة تدريجية، بما يشمل الجسور، ومرافق النقل، ومناطق الدعم اللوجستي، يعكس تغيراً واضحاً في قواعد الاشتباك. فما كان يُعد خارج نطاق الاستهداف في المراحل الأولى من المواجهة، أصبح اليوم يدخل تدريجياً ضمن بنك الأهداف، في محاولة لرفع كلفة استمرار الصراع على الدولة الإيرانية نفسها، وليس فقط على مؤسساتها العسكرية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذه التطورات بوصفها انتقالاً من سياسة الردع العسكري المحدود إلى استراتيجية أوسع تسعى إلى نقل مركز الأزمة إلى الداخل الإيراني، بما ينعكس على قدرة الدولة على إدارة الحرب، ويؤثر في توازنات القوة داخل النظام نفسه.

كما يلفت الانتباه التوزيع الجغرافي للضربات، الممتد من السواحل الجنوبية مروراً بالأحواز وصولاً إلى لورستان وكردستان. ولا يبدو هذا الانتشار مجرد توزيع جغرافي للأهداف، بل يعكس سعياً إلى تفكيك شبكة الحركة العسكرية الإيرانية، عبر عزل بعض المناطق عن المركز وقطع خطوط الإمداد والاتصال، سواء القادمة من الموانئ أو المرتبطة بشبكات النقل العسكرية، بما يحد من قدرة القوات الإيرانية على المناورة وإعادة الانتشار.

وعليه، فإن استهداف البنية اللوجستية لا يمثل هدفاً بحد ذاته، بل خطوة نحو خلق واقع عملياتي جديد داخل إيران، يقوم على إضعاف منظومة الإسناد العسكري، وتعميق الضغوط الداخلية، وتهيئة البيئة لعمليات أكثر نوعية قد تطال مستقبلاً منشآت ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدمتها المواقع المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

وينطلق هذا التصور أيضاً من فرضية أن صانع القرار الأميركي لم يعد يتعامل مع إيران بوصفها دولة ذات مركز قرار واحد، بل كنظام تتوزع فيه مراكز القوة والنفوذ بين مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية متعددة. ووفق هذه القراءة، فإن تراجع مركزية القرار يجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً، ويقلل من جدوى التعامل مع النظام باعتباره طرفاً واحداً قادراً على الالتزام بأي تفاهمات مستقبلية.

في المقابل، تبدو الخيارات الإيرانية أكثر ضيقاً من أي وقت مضى. فالورقة الأولى تتمثل في استمرار الضغط على الممرات البحرية، سواء عبر باب المندب من خلال الحوثيين أو عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز، للحفاظ على أوراق ضغط ذات بعدين إقليمي ودولي. أما الورقة الثانية فتقوم على توسيع دائرة التوتر خارج الأراضي الإيرانية، من خلال نقل المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، سواء عبر الحلفاء والوكلاء، أو عبر استهداف دول ترى طهران أن المساس باستقرارها يرفع كلفة الضغوط المفروضة عليها.

غير أن فعالية هاتين الورقتين تبدو في تراجع تدريجي. فحرية الملاحة في المضائق الدولية تمثل مصلحة عالمية، ما يجعل أي تهديد طويل الأمد لها سبباً لتشكيل استجابة دولية واسعة، الأمر الذي يقلص قدرة إيران على استخدام هذا الملف كورقة ضغط مستدامة.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المشهد لا يقتصر على محاولة الضغط على دول الخليج، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة رسم جغرافيا الصراع نفسها. فكلما ضاقت خيارات طهران العسكرية المباشرة، ازدادت حاجتها إلى فتح ساحات جديدة تستطيع من خلالها إعادة توزيع الضغوط، وإرباك خصومها، وإظهار أن المواجهة لن تبقى محصورة داخل حدودها.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التصعيد المتزايد تجاه الأردن باعتباره جزءاً من هذه الاستراتيجية الأوسع، وليس تطوراً منفصلاً عنها. فإذا كانت واشنطن تعمل على نقل مركز الضغط إلى الداخل الإيراني، فإن طهران، في المقابل، تسعى إلى توسيع مسرح الأزمة خارج حدودها، عبر استهداف الدول التي ترى أنها تشكل ركائز أساسية في المنظومة الأمنية الأميركية والإقليمية.

 

ولا يقتصر هذا التوجه على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي والإعلامي والأمني. فالطارئ الأبرز في المشهد يتمثل في التحول الواضح في طبيعة الاستهداف الإيراني للأردن، وهو استهداف لم يعد يقتصر على التهديدات العسكرية أو الهجمات الصاروخية التي بدأت تأخذ أبعاداً تتجاوز استهداف المواقع العسكرية إلى محاولة المساس بالبنية الحيوية، بل بات يشمل أيضاً تصعيداً ممنهجاً في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني الموجه نحو الداخل الأردني.

فقد خصصت طهران مساحة متزايدة من دعايتها السياسية والإعلامية لمخاطبة الشارع الأردني، مستندة إلى شعارات لطالما شكلت جزءاً من خطابها التقليدي، مثل التضامن الإسلامي وتحرير القدس، لكنها أعادت توظيفها في سياق يستهدف التأثير المباشر في البيئة الداخلية الأردنية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل الخطاب الإيراني في بعض الحالات إلى الإشادة بأطراف داخل الأردن وتوجيه رسائل شكر لها، في مؤشر يعكس محاولة بناء روايات سياسية جديدة تتجاوز حدود المواجهة مع إسرائيل إلى محاولة التأثير في التوازنات الداخلية للدولة الأردنية.

ويعكس هذا التطور، وفق هذه القراءة، رغبة إيرانية في استهداف الأردن على مستويات متعددة، تجمع بين الضغط العسكري، والحرب الإعلامية، ومحاولات التأثير السياسي والنفسي، باعتبارها أدوات متكاملة ضمن إدارة الصراع الإقليمي.

ويستند هذا التوجه إلى عقيدة إيرانية اعتمدت، طوال السنوات الماضية، على توسيع دوائر عدم الاستقرار في المنطقة باعتبارها وسيلة لتعزيز النفوذ الإقليمي ورفع كلفة الضغوط الخارجية. إلا أن تقلص هامش الحركة الإيراني في الخليج، نتيجة تصاعد الوجود العسكري الغربي وتشديد الإجراءات الأمنية، يدفع طهران إلى البحث عن ساحات أخرى يمكن من خلالها إعادة إنتاج أوراق الضغط.

ومن هذا المنطلق، يبرز الأردن بوصفه هدفاً ذا أهمية خاصة. فهو يمثل أحد أهم الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في المنطقة، ويحتل موقعاً جغرافياً محورياً على تماس مباشر مع إسرائيل، كما يشكل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة توازناتها في المشرق.

كما أن إيران تدرك أن أي إعادة انتشار محتملة للقوات أو الأصول العسكرية الأميركية بعيداً عن مناطق التهديد المباشر في الخليج قد تمنح الأردن دوراً لوجستياً أكبر ضمن المنظومة العسكرية الأميركية، وهو ما يرفع من قيمته الاستراتيجية في الحسابات الإيرانية، حتى وإن لم يكن طرفاً مباشراً في العمليات العسكرية.

غير أن اختزال الاستهداف الإيراني للأردن في مسألة الوجود العسكري الأميركي يبقى قراءة قاصرة. فالمسألة، في جوهرها، ترتبط برؤية إيرانية أوسع تقوم على البحث عن الحلقة التي يمكن من خلالها إرباك المنظومة الإقليمية بأقل كلفة ممكنة. وبعد أن تراجعت فعالية كثير من أدواتها التقليدية، يبدو أن الأردن بات يُنظر إليه باعتباره إحدى الساحات التي يمكن استخدامها لإعادة توزيع الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل في آن واحد.

وليس هذا التوجه جديداً بالكامل، إذ حاولت إيران، خلال السنوات الماضية، إيجاد موطئ قدم داخل الساحة الأردنية عبر شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، مستفيدة من الامتدادين السوري والعراقي. وتكشف هذه المحاولات أن استهداف الأردن لم يكن مرتبطاً بظرف عسكري طارئ، بل يمثل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تقوم على استثمار الجغرافيا الأردنية باعتبارها نقطة تماس مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.

ومع تراجع فعالية ما عُرف بـ«وحدة الساحات»، واحتواء معظم الجبهات التي اعتمدت عليها إيران خلال السنوات الماضية، قد ترى طهران أن زعزعة استقرار الأردن تمنحها فرصة لتعويض جزء من خسائرها الاستراتيجية. فالأردن يشترك مع إسرائيل بأطول حدود برية، وأي محاولة لإضعاف استقراره ستنعكس مباشرة على البيئة الأمنية الإسرائيلية، كما ستستهدف في الوقت ذاته أحد أكثر الحلفاء استقراراً بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة.

ولا يقل البعد الإعلامي أهمية عن البعد الأمني. فمنذ اندلاع الحرب في غزة، كثفت إيران خطابها الموجه إلى الداخل الأردني، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات إعلامية وحملات رقمية، في محاولة للتأثير في الرأي العام وإعادة صياغة السرديات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، بما يخدم أهدافها السياسية. ويكشف هذا السلوك عن إدراك إيراني لوجود ساحة تنافس حقيقية داخل الفضاء الإعلامي الأردني، تسعى طهران إلى استثمارها ضمن معركتها الأوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي المقابل، فإن التحدي الأكبر أمام الأردن لا يقتصر على مواجهة الضغوط الخارجية، بل يرتبط أيضاً بتعزيز الجبهة الداخلية. فكلما امتلكت الدولة رواية وطنية متماسكة، قادرة على مخاطبة المجتمع وتعزيز الثقة بالمؤسسات، تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على استثمار الأزمات أو التأثير في الرأي العام. لهذا، فإن الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، بالتوازي مع تحصين الجبهة الداخلية، يبقى العامل الأكثر أهمية في مواجهة أي محاولات لاستهداف الدولة أو التأثير في استقرارها.

وفي الإطار ذاته، لا تبدو التحركات الأميركية مقتصرة على الساحة الإيرانية وحدها، بل تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بإيران. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن واشنطن انتقلت من سياسة احتواء النفوذ الإيراني إلى استراتيجية أكثر شمولاً تستهدف تفكيك البنية التي سمحت لطهران، على مدى سنوات، ببناء شبكة نفوذها الإقليمي.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تشديد الضغوط على شبكات التمويل المرتبطة بحزب الله داخل العراق، والتغير في آليات التعامل مع الساحة السورية، بوصفهما جزءاً من سياسة متكاملة تستهدف تقليص هامش حركة الحلفاء والوكلاء الإقليميين لإيران، وليس مجرد إجراءات منفصلة فرضتها تطورات ميدانية آنية.

كما تندرج ضمن السياق ذاته العمليات التي استهدفت، وفق هذا التصور، وسائل قتالية ومسيرات وصواريخ كانت في طريقها من العراق إلى سوريا، باعتبارها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى قطع خطوط الإسناد بين أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة"، وعزل حزب الله تدريجياً عن عمقه اللوجستي والإقليمي، بما يحد من قدرته على إعادة بناء قدراته أو تعويض خسائره.

ويشير تزامن هذه التحركات مع توسيع الضربات داخل إيران إلى أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى مسرح الصراع باعتباره وحدة جغرافية متكاملة، لا مجموعة ساحات منفصلة. فإيران، والعراق، وسوريا، والخليج، والأردن، والممرات البحرية، أصبحت حلقات مترابطة في معادلة واحدة، يُراد من خلالها إعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بإيران وتقليص قدرتها على المناورة على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

وبذلك، يتشكل مشهد يقوم على ثلاثة مسارات متوازية؛ أولها عزل إيران عن محيطها الإقليمي، وثانيها إضعاف شبكة حلفائها ووكلائها، وثالثها نقل مركز الصراع تدريجياً إلى الداخل الإيراني نفسه. ولا تبدو هذه المسارات منفصلة عن بعضها، بل تتكامل ضمن استراتيجية واحدة تهدف إلى زيادة كلفة المواجهة على طهران، وإجبارها على إدارة أزمات متزامنة تتوزع بين الداخل والجوار الإقليمي.

وفي هذا الإطار، يكتسب الأردن أهمية تتجاوز موقعه الجغرافي أو علاقته الاستراتيجية بالولايات المتحدة، إذ يصبح جزءاً من معادلة إعادة تشكيل الإقليم. فمن منظور إيراني، يمثل الضغط على الأردن وسيلة لإرباك إحدى أهم ركائز المنظومة الأمنية الغربية في المشرق، بينما يمثل، من منظور أميركي، الحفاظ على استقرار الأردن شرطاً أساسياً لاستمرار أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى التصعيد الإيراني تجاه الأردن بوصفه حدثاً معزولاً أو رداً ظرفياً على التطورات العسكرية، بل باعتباره جزءاً من محاولة إيرانية لإعادة توزيع ساحات الاشتباك، بعد أن أصبحت قدرتها على المبادرة داخل الخليج وفي الممرات البحرية أكثر تقييداً. فكلما ضاقت الخيارات أمام طهران، ازداد سعيها إلى فتح مساحات ضغط جديدة تستطيع من خلالها تعويض خسارة أوراقها التقليدية.

وفي المقابل، تبدو واشنطن ماضية في استراتيجية معاكسة تقوم على حرمان إيران من القدرة على إدارة الصراع عبر الوكلاء وحدهم، ونقل الضغوط تدريجياً إلى داخل الجغرافيا الإيرانية، مع تفكيك شبكات الإسناد الإقليمية التي اعتمدت عليها خلال العقدين الماضيين.

لهذا، فإن الضربات الجارية داخل إيران لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد ردود فعل عسكرية أو رسائل تفاوضية، بل باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز منطق الردع التقليدي إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، وإعادة رسم توازنات الإقليم بأكمله.

وإذا استمرت هذه المقاربة، فإن المنطقة قد تكون أمام انتقال تدريجي من مرحلة "إدارة الصراعإلى مرحلة "إعادة هندسة مسرح الصراع"، حيث لن يكون الهدف احتواء النفوذ الإيراني فحسب، بل إعادة رسم الجغرافيا الأمنية التي سمحت لهذا النفوذ بالتمدد خلال العقدين الماضيين. 

د. عامر السبايلة