المفاوضات تحت النار… هل انتقلت واشنطن إلى مرحلة إعادة تشكيل النظام الإيراني؟

 






14/7/2026

تزامنت عودة الإدارة الأمريكية إلى تطبيق استراتيجية "المفاوضات تحت النار" مع تحول لافت في المزاج السياسي للرئيس دونالد ترامب تجاه إيران. صحيح أن التحرك العسكري الأمريكي جاء رداً على استهداف إيران ناقلات الغاز الطبيعي في مضيق هرمز، إلا أنه ترافق أيضاً مع تصريحات غير مسبوقة للرئيس ترامب خلال قمة الناتو في أنقرة. فقد بدا وكأنه وصل إلى مرحلة من نفاد الصبر في التعامل مع طهران، وكان لافتاً حديثه المتكرر، مرتين، عن احتمال تعرضه لمحاولة اغتيال من جانب إيران. وهذا لا يعكس مجرد رد فعل على تهديد الملاحة في هرمز، بل يوحي بأن التحول في المقاربة الأمريكية بات يتجاوز حماية خطوط الملاحة، ليقترب من قناعة بضرورة توجيه ضربات تحدث تغييراً حقيقياً داخل إيران، عبر استهداف مراكز القرار التي تعطل استمرار مسار المفاوضات.

وفي المقابل، فإن استراتيجية إطالة أمد المفاوضات الإيرانية تعكس بصورة مباشرة طبيعة الأزمة الداخلية في النظام الإيراني. فمن الطبيعي أن يتمسك التيار الذي لا يزال يمسك بزمام القرار بدوره وشرعيته عبر التصعيد، خصوصاً أن هذا التصعيد جاء متزامناً مع جنازة المرشد علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل. فكيف يمكن لهذا التيار أن يفسر عدم الرد، أو الانتقام، أو حتى اضطراره للحصول على موافقة أمريكية لإقامة مراسم الجنازة؟ إن مثل هذا المشهد يجرده من جزء كبير من شرعيته، ليس فقط لأن شرعيته السياسية قامت تاريخياً على العداء للولايات المتحدة، وإنما لأن قوته في الداخل ارتبطت دائماً بصورته في الخارج. ومع انحسار نفوذه الإقليمي، وتراجع دوره إلى دائرة المفاوضات التي تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى إعادة هندسة البيئة السياسية الإيرانية، يصبح الانخراط في هذه المفاوضات أقرب إلى حالة من الانتحار السياسي بالنسبة لهذا الفريق.

ورغم أن التصعيد الإيراني بدأ يأخذ طابعاً محسوباً ومحدوداً، من خلال استهداف سفينة، ثم الانتقال إلى محاولات استهداف بعض دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والبحرين، إضافة إلى محاولة استهداف الأردن، فإن الرد الأمريكي جاء بصورة حاسمة. ويهدف هذا الرد إلى تحقيق هدفين رئيسيين. الأول، توجيه رسالة واضحة إلى إيران بأن كلفة هذه السياسة ستكون مرتفعة للغاية، وأن الانتقال التدريجي إلى استهداف الداخل الإيراني قد يأخذ أبعاداً جديدة، تبدأ بضرب البنية التحتية الحيوية، كالجسور وشبكات السكك الحديدية، وقد تمتد لاحقاً إلى منشآت الطاقة أو حتى عمليات برية محدودة إذا اقتضت الضرورة. أما الهدف الثاني، فيتمثل في تجريد إيران من قدراتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، عبر استهداف الموانئ، ومخازن الأسلحة، والقواعد العملياتية، ومحطات الإسناد اللوجستي.

وينطبق هذا المنطق أيضاً على ضرورة التعامل بحزم مع محاولات إيران استهداف دول الخليج والأردن، وهي سياسة اعتمدتها طهران منذ بداية هذه الحرب بهدف توسيع دائرة الاشتباك. ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى موقف عربي خليجي موحد، يكسر معادلة إدخال دول الخليج في منظومة الردع الإيرانية، وينهي استخدام استهداف هذه الدول كأداة لإشاعة الفوضى ورفع كلفة المواجهة على المجتمع الدولي.

صحيح أن المفاوضات قامت منذ البداية على أسس هشة، إلا أن الرهان عليها من جانب بعض الأطراف انطلق من حسابات دقيقة للمكاسب والخسائر، والسعي إلى تحقيق أهداف الحرب من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع ضمان السيطرة على تداعياتها وجني مكاسبها. فالمطلوب كان تأمين أسواق الطاقة، وإعادة حرية الملاحة، وإعادة صياغة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتأمين مضيق هرمز، ومنع استهداف دول الخليج، والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي العالمي.

إلا أن الواقع يشير إلى أن كل يوم من أيام مهلة الستين يوماً يبدو وكأنه مزروع بالألغام. ومن هنا، فإن عودة الولايات المتحدة إلى خيار التصعيد العسكري النوعي تعكس قناعة متزايدة بأن الطريق الوحيد لإنجاح التفاوض هو إبقاء الخيار العسكري حاضراً، ليس بوصفه ورقة ضغط نظرية، بل كأداة عملية تتدرج في مستوى العمليات والاستهداف.

وهذا يعني أننا أمام مشهد يتجه نحو تصعيد عسكري متواصل، ليس فقط في حجم العمليات، وإنما في طبيعة أهدافها أيضاً. فقد لا يقتصر استهداف الداخل الإيراني مستقبلاً على البنية التحتية أو القدرات العسكرية واللوجستية، بل قد يمتد إلى عمليات تستهدف مراكز القرار والشخصيات التي تعرقل إعادة إنتاج السلطة داخل إيران بما ينسجم مع شروط المرحلة الجديدة.

ورغم أن مثل هذا التوجه لن يُعلن بصورة رسمية، وأن الضربات الأمريكية ستدفع مختلف الأطراف داخل إيران إلى تبني خطاب أكثر تصعيداً، فإن الصورة بدأت تتضح بصورة متزايدة: فالأزمة الإيرانية لم تعد أزمة اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل أصبحت أزمة سياسية تتعلق بشرعية النظام نفسه، خصوصاً مع غياب المرشد الجديد عن جنازة والده، وتصاعد التساؤلات حول حقيقة وضعه، وشرعية الأطراف التي تربط مستقبلها السياسي بوجوده.

وربما تكمن النقطة الأكثر أهمية في أن واشنطن لم تعد تنظر إلى المفاوضات باعتبارها هدفاً بحد ذاته، بل باعتبارها أداة لإنتاج واقع سياسي جديد داخل إيران. فالمطلوب لم يعد مجرد اتفاق نووي أكثر صرامة، وإنما الوصول إلى شريك سياسي يمتلك القدرة والشرعية لاتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وبإعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران. ومن هنا، فإن الضغوط العسكرية المتدرجة لا تبدو منفصلة عن المسار التفاوضي، بل أصبحت جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل بنية النظام السياسي الإيراني، أو على الأقل إعادة توزيع مراكز القوة داخله بما يضمن ولادة قيادة أكثر استعداداً للاندماج في النظام الإقليمي الجديد الذي تعمل الولايات المتحدة على بنائه بعد هذه الحرب.

د.عامر السبايلة