1/7/2026
بدأ اختبار الستين يوماً، الذي انطلق مع توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية، منذ لحظة التوقيع نفسها، وليس مع بدء المسار التقني للمفاوضات. فالمسألة لا تتعلق بجدول زمني تفاوضي بقدر ما ترتبط بإطار سياسي–أمني تُدار فيه العملية تحت سقف الردع المتبادل. ومنذ البداية، حرص الرئيس الأميركي، بالتوازي مع الحديث عن ترجمة بنود الاتفاق، على إبقاء خيار القوة حاضراً في خطابه السياسي، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض لا يعني تعليق أدوات الضغط، بل إعادة تنظيم استخدامها ضمن معادلة أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره أحد أبرز مؤشرات طبيعة المرحلة المقبلة. فالإدارة الأميركية تطرح آلية لصرف هذه الأموال تبدو، في جوهرها، أقرب إلى نموذج "النفط مقابل الغذاء"، لا سيما مع إصرار الرئيس الأميركي على توجيه جزء منها نحو شراء مواد غذائية ومنتجات أميركية. وهو ما يعكس مقاربة تتجاوز البعد الإنساني أو المالي، نحو إعادة هندسة آليات الإنفاق الإيراني، وتحويل الملف المالي من أداة تخفيف عقوبات إلى أداة ضبط سلوكي ممتد، تحد من قدرة طهران على إعادة توظيف مواردها في مسارات النفوذ الإقليمي أو التطوير العسكري.
وعلى مسار موازٍ، دخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بقوة إلى المشهد النووي الإيراني، مع توقع بدء جولات تفتيش ميدانية خلال فترة قصيرة. ويعني هذا التطور أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد ملفاً ثنائياً بين طهران وواشنطن، بل أصبح موضوعاً خاضعاً لرقابة دولية مؤسساتية متعددة الأطراف، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويحد من قدرة الأطراف على إدارة التفاهمات بمعزل عن المجتمع الدولي.
في المقابل، لا تزال إيران ترفض، في خطابها السياسي والإعلامي، عدداً من الطروحات التي تصر عليها واشنطن وتتعامل معها باعتبارها قضايا محسومة. إلا أن الفجوة بين الخطاب العلني والتفاهمات الفعلية تبقى جزءاً بنيوياً من مثل هذه المسارات التفاوضية المعقدة، حيث لا تُصاغ النتائج النهائية في الإعلام، بل في توازنات القوة وحسابات الكلفة والعائد. وبرغم ما تبديه واشنطن من مرونة تكتيكية في بعض الملفات، فإنها لا تزال تتمسك بثلاث ركائز أساسية: ضبط البرنامج النووي، إحكام آلية التصرف بالأموال الإيرانية، والإبقاء على خيار القوة باعتباره الضامن النهائي لأي تسوية محتملة.
وفي الداخل الأميركي، تبدو التباينات داخل الإدارة، وكذلك داخل الأوساط الجمهورية الداعمة للرئيس ترامب، أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فقد انعكست هذه الخلافات في نقاشات تتعلق بتقييد صلاحيات استخدام القوة العسكرية، إضافة إلى انتقادات صدرت من شخصيات محسوبة على القاعدة السياسية الداعمة له. ومع ذلك، فإن هذه التباينات لا تمس جوهر الاستراتيجية الأميركية بقدر ما تعكس اختلافاً حول أدوات التنفيذ، إذ يبقى هناك حد أدنى من الإجماع داخل المؤسسة الأميركية على ضرورة منع إيران من استثمار المفاوضات لإعادة بناء عناصر قوتها أو تحسين موقعها الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تأتي الجولة الخليجية لوزير الخارجية ماركو روبيو لتعكس إدراكاً أميركياً متزايداً بأن الإقليم ليس هامشاً في المفاوضات، بل جزءاً من بنيتها الأساسية. فاختيار الدول الخليجية، بوصفها الأكثر تأثراً بأي تصعيد مع إيران، يحمل رسالة واضحة بأن أمن الخليج عنصر مركزي في أي تسوية قادمة، وليس ملفاً موازياً لها. كما أن البيان الأميركي–الخليجي المشترك ذهب أبعد من مذكرة التفاهم مع إيران، عبر التركيز على أمن الملاحة، ورفض تهديد الممرات البحرية، والدعوة إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة، والتشديد على استقرار المنطقة، بما يعكس مقاربة شاملة تعتبر أن أي اتفاق نووي يجب أن يُترجم إقليمياً.
في المقابل، تمتلك إيران مجموعة من الأوراق الإقليمية التي تبدو حريصة على استخدامها لتحسين موقعها التفاوضي أكثر من استخدامها لإفشال الاتفاق. ولذلك، تبقى الساحة اللبنانية الورقة الأكثر حساسية في هذه المرحلة. فمع تقدم الولايات المتحدة في مسار إعادة تشكيل الملف اللبناني سياسياً، وفتح الطريق أمام المفاوضات مع إسرائيل، والتهيئة لتسوية تتضمن معالجة مستقبل سلاح حزب الله، تتحول هذه الورقة إلى عنصر قابل لإعادة إنتاج التوتر الداخلي في لبنان، لكنها في الوقت ذاته تمنح طهران موقعاً مؤثراً باعتبارها الطرف القادر على المساهمة في ضبط التصعيد أو احتوائه.
والمنطق نفسه ينسحب على الجبهة اليمنية، حيث تبدو استعدادات الحوثيين جزءاً من معادلة ردع أوسع ترتبط بأمن الملاحة في باب المندب. فالمعلومات المتزايدة حول تعزيز هذه الجبهة بمنظومات عسكرية قادرة على تهديد حركة السفن تعكس استمرار النفوذ الإيراني، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على هامش من الإنكار السياسي، بحيث لا تظهر طهران باعتبارها الطرف المنفذ مباشرة، وإنما باعتبارها اللاعب القادر على التأثير في مستوى التهدئة أو التصعيد.
ومن هذا المنظور، تكتسب المضائق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، موقعاً محورياً في بنية هذه الاستراتيجية. فالتلويح بإمكانية تعطيل الملاحة أو إعادة ضبط قواعد المرور لا يندرج ضمن منطق المواجهة المفتوحة، بل ضمن إدارة التوتر. غير أن هذا المسار يحمل في داخله حدوداً واضحة، إذ إن استمرار الضغط على الممرات البحرية يدفع باتجاه تدويلها، وتوسيع الحضور العسكري الدولي تحت عنوان حماية حرية الملاحة، بما يؤدي تدريجياً إلى تقليص القدرة الأحادية على التحكم بها.
في المقابل، لم تتعامل واشنطن مع هذه المؤشرات بوصفها رسائل رمزية، بل كاختبار مباشر لجدية الردع. لذلك جاءت الرسائل الأميركية سريعة وحاسمة، سواء عبر التصريحات السياسية التي أعادت التأكيد على جاهزية استخدام القوة، أو عبر ضربات محدودة استهدفت مواقع مرتبطة بقدرات عسكرية في مناطق حساسة. والهدف هنا لا يقتصر على الرد، بل على رسم حدود واضحة للسلوك المقبول ضمن إطار التفاوض.
وعليه، فإن اختبار الستين يوماً لن يُحسم في قاعات التفاوض، بل في الإقليم نفسه، حيث تتقاطع أدوات الدبلوماسية مع آليات الردع، وتتحول الساحات الممتدة من لبنان إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، إلى فضاءات اختبار حقيقية لمعادلة القوة. وبين إدارة أميركية تستخدم الردع كأداة تفاوض، وطرف إيراني يوظف الفوضى كأداة ضغط، تتشكل معادلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، لا تحددها النصوص، بل موازين القوة على الأرض.
د.عامر السبايلة