29/6/2026
بدأ امتحان الستين يوماً مع توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية، لا مع انطلاق المفاوضات التقنية. فمنذ اللحظة الأولى، حرص الرئيس الأميركي على إبقاء خيار القوة حاضراً في خطابه السياسي، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض لا يلغي أدوات الضغط، بل يضعها في خدمة تثبيت نتائجه، وأن أي تفاهم سياسي سيظل محكوماً بميزان الردع الذي فرضته واشنطن خلال المرحلة السابقة.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره أحد أهم مؤشرات المرحلة المقبلة. فآلية الإفراج عنها تبدو، في جوهرها، أقرب إلى نموذج "النفط مقابل الغذاء"، ولا سيما مع تأكيد الرئيس الأميركي أن هذه الأموال ستخصص لشراء مواد غذائية أميركية، بما يعكس رغبة واشنطن في إبقاء الرقابة على مسار الإنفاق وتحويل الملف المالي إلى أداة ضغط مستمرة، لا إلى خطوة لبناء الثقة أو إعادة دمج إيران اقتصادياً بصورة كاملة.
في المقابل، دخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بقوة إلى المشهد النووي الإيراني، مع توقع بدء جولات تفتيش ميدانية قريباً، وهو ما يعني أن البرنامج النووي لم يعد ملفاً ثنائياً بين طهران وواشنطن، بل أصبح قضية دولية تخضع لرقابة مؤسساتية تضيف مستوى جديداً من التعقيد إلى مسار التفاوض.
ورغم الرفض الإيراني المعلن لبعض الشروط الأميركية، فإن معركة التصريحات قد تختلف كثيراً عن طبيعة التفاهمات الفعلية. فواشنطن، رغم مرونتها في بعض الملفات، لا تزال تتمسك بثلاث ركائز رئيسية: البرنامج النووي، وآلية إدارة الأموال الإيرانية، والإبقاء على خيار القوة باعتباره الضامن النهائي لأي اتفاق. كما أن التباينات داخل الإدارة الأميركية، وحتى داخل الأوساط الجمهورية الداعمة للرئيس ترامب، لم تمنع استمرار التوافق على منع إيران من استثمار المفاوضات لإعادة إنتاج نفوذها الإقليمي أو إعادة بناء منظومة الردع التي تضررت خلال الأشهر الماضية.
ومن هذا المنطلق، جاءت الجولة الخليجية لوزير الخارجية ماركو روبيو لتؤكد أن المفاوضات لا تنفصل عن إعادة صياغة البيئة الأمنية في الإقليم. فالبيان الأميركي–الخليجي المشترك أعاد التركيز على ملفات تتجاوز الاتفاق النووي، وفي مقدمتها نزع سلاح الجماعات المسلحة، وأمن الخليج، وحرية الملاحة، والبرنامج النووي الإيراني، بما يعكس سعياً أميركياً لتثبيت ترتيبات إقليمية موازية لمسار التفاوض، تحول دون استعادة إيران نفوذها عبر الساحات الإقليمية.
في المقابل، تمتلك إيران أوراقاً إقليمية متعددة، لكنها تبدو حريصة على توظيفها لتحسين موقعها التفاوضي أكثر من استخدامها لإفشال الاتفاق. وتبقى الساحة اللبنانية الورقة الأكثر حساسية، مع تقدم المساعي الأميركية لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل يتناول مستقبل سلاح حزب الله. وفي الوقت نفسه، يحتفظ الحوثيون في اليمن بدور مماثل على مستوى أمن الملاحة في باب المندب، بما يمنح طهران قدرة على التأثير في معادلات التهدئة والتصعيد دون تحمل المسؤولية المباشرة، ويجعل هذه الساحات أدوات ضغط قابلة للاستخدام كلما اقتضت الحاجة التفاوضية.
ومن هنا، تصبح المضائق البحرية جزءاً من استراتيجية التلويح بالفوضى. فإيران تلوّح باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، إلا أن قدرتها على توظيف هذه الورقة تبقى محدودة زمنياً، لأن أي تصعيد طويل سيدفع المجتمع الدولي إلى توسيع ترتيبات حماية الملاحة وفرض قواعد اشتباك أكثر صرامة، وهو ما يقلص تدريجياً هامش المناورة الإيراني ويزيد كلفة الاستمرار في سياسة الضغط البحري.
لذلك، فإن اختبار الستين يوماً لن يُحسم داخل غرف التفاوض، بل على الأرض، حيث ستسعى إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية لإعادة ترتيب الأولويات وتحسين شروط التفاوض، فيما ستسعى واشنطن إلى منع تحويل هذه الأوراق إلى وقائع استراتيجية جديدة. ومن لبنان إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي، لن يكون الامتحان الحقيقي هو ما يُكتب في نصوص الاتفاق، بل قدرة كل طرف على فرض موازين قوة جديدة قبل الوصول إلى التسوية النهائية، لأن مستقبل المفاوضات سيتحدد في نهاية المطاف بمدى نجاح كل طرف في ترجمة أوراقه الميدانية إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.
د.عامر السبايلة