الانتقال الإيراني… شرعية الغياب وبراغماتية البقاء

 




7/7/2026

لم تعد جنازة المرشد علي خامنئي، التي أُقيمت بعد ما يقارب ثلاثة أشهر من غيابه، مجرد مراسم تأبين متأخرة، بل تحولت إلى إعلان سياسي عن دخول إيران مرحلة انتقال اضطرارية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمن سيخلف المرشد، وإنما بشكل النظام الذي سيتشكل بعده، وبالطريقة التي ستُعاد بها صياغة شرعيته في مرحلة تفتقد الشخصية التي احتكرت تمثيلها لعقود. ومن هنا، تبدو إيران وكأنها تؤسس لمرحلة يمكن وصفها بـ"شرعية الغياب"، حيث يصبح استمرار حضور المرشد رمزياً ضرورة سياسية، حتى في ظل غيابه الفعلي، بما يتيح للنظام إدارة انتقال السلطة من دون إحداث فراغ قد يهدد تماسك مؤسساته أو يفتح الباب أمام صراعات مبكرة بين مراكز القوى.

ولعل تفاصيل الجنازة نفسها كانت أكثر دلالة من مراسمها. فقد كشفت طبيعة الحضور والغياب عن مؤشرات سياسية يصعب تجاهلها، إذ بدا واضحاً حرص بعض الشخصيات والتيارات على المبالغة في إظهار الولاء والحزن، في محاولة لتجديد ارتباطها بمصدر الشرعية التاريخي للنظام، وكأنها تسعى إلى إحكام الطوق السياسي حول مواقعها في مرحلة إعادة توزيع النفوذ. وفي المقابل، كان غياب شخصيات محسوبة على الدائرة المقربة من المرشد، إلى جانب رؤساء سابقين وشخصيات إصلاحية بارزة، مؤشراً على أن الترتيبات الجارية لا تعكس إجماعاً داخلياً، بل تكشف عن عملية فرز سياسي هادئة تجري خلف الكواليس، استعداداً لمرحلة مختلفة في بنية السلطة.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم ما يجري في طهران باعتباره حالة من البراغماتية الانتقالية أكثر منه مجرد تأخير في إعلان ترتيبات الخلافة. فالإبقاء على المرشد في حالة أقرب إلى "الغيبة السياسية" لا يرتبط فقط باعتبارات أمنية، بل يمثل آلية مدروسة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام، وتهيئة البيئة الداخلية لاستيعاب التحولات المقبلة، من دون تعريض مؤسسات الدولة أو المؤسسة الدينية لهزة سياسية قد يصعب احتواؤها. فالمرشد الجديد لم يظهر بصورة سياسية مكتملة، كما أن عملية انتقال السلطة لم تُقدَّم للرأي العام وفق النموذج التقليدي الذي عرفته الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن إيران بدأت تنتقل تدريجياً من نموذج هرمي يتمحور حول شخصية المرشد الأعلى، إلى نموذج أكثر تعقيداً تتقاسم فيه المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية مراكز القرار، بينما تبقى مؤسسة المرشد نفسها المظلة التي تمنح هذا التحول مشروعيته.

ولم يعد هذا الانتقال شأناً إيرانياً داخلياً فحسب، بل تحول إلى محطة تراقبها القوى الدولية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع الجمهورية الإسلامية. فالسؤال المطروح في العواصم المعنية لم يعد يقتصر على هوية المرشد المقبل، بل يمتد إلى طبيعة إيران التي ستخرج من هذه المرحلة، وما إذا كانت أولوياتها ستبقى مرتبطة بإدارة مشروعها الإقليمي، أم أنها ستتجه نحو إعادة ترتيب الداخل تحت ضغط المتغيرات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

من هذا المنطلق، تبدو القراءة الأميركية مختلفة عن مقاربات السنوات الماضية. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تراهن على أن مرحلة ما بعد خامنئي قد تكون أكثر قابلية لإنتاج تفاهمات سياسية، ليس انطلاقاً من فكرة تغيير النظام بصورة مباشرة، وإنما عبر دفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته الداخلية. فواشنطن تدرك أن الضغوط العسكرية والاقتصادية، مقرونة بمرحلة انتقال القيادة، قد تدفع صانع القرار الإيراني إلى تقديم أولوية الحفاظ على استقرار الدولة على حساب الاستمرار في إدارة مشروع إقليمي واسع الكلفة، وهو ما يفسر انتقال الخطاب الأميركي تدريجياً من التركيز على ملفات النفوذ الإقليمي إلى التركيز على الملفات الاقتصادية والمالية باعتبارها المدخل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل سلوك النظام.

وفي هذا الإطار، تبرز قضية الأموال الإيرانية المجمدة، وآليات الإفراج عنها، ورفع العقوبات بصورة تدريجية، باعتبارها أدوات لإعادة هندسة الأولويات الإيرانية أكثر من كونها مجرد ملفات تفاوضية. فواشنطن لا تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها مكافآت سياسية، وإنما باعتبارها وسائل لإعادة توجيه الموارد نحو الداخل الإيراني، بما يجعل الاقتصاد، وليس التوسع الإقليمي، أساس معادلة البقاء في المرحلة المقبلة. ومن هنا، يصبح نجاح المفاوضات مرتبطاً بمدى قدرة القيادة الجديدة على تقديم نموذج يوازن بين المحافظة على ثوابت النظام، والاستجابة لمتطلبات مرحلة مختلفة تفرضها موازين القوى الجديدة.

وتنعكس هذه التحولات بصورة مباشرة على بنية النظام الداخلية، إذ لم تعد الأزمة الإيرانية أزمة اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل أصبحت أزمة سياسية وأمنية تتعلق بإعادة تعريف مركز القوة داخل الدولة. فالحرس الثوري، الذي شكّل طوال العقود الماضية العمود الفقري للمشروع الإيراني، يواجه اليوم الاختبار الأكثر تعقيداً منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. فقد استمد نفوذه ليس فقط من حضوره العسكري داخل إيران، وإنما أيضاً من نجاحه في بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة امتدت من لبنان وسوريا والعراق إلى اليمن والبحر الأحمر، معتمداً على استراتيجية نقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود، وبناء منظومة من الحلفاء والوكلاء وفرت للنظام عمقاً استراتيجياً وقدرة مستمرة على المناورة والردع.

غير أن هذه المنظومة تواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة. فالجغرافيا التي استثمرت فيها إيران لعقود باعتبارها مجالاً حيوياً لحماية أمنها القومي بدأت تنكمش تحت وطأة الضربات العسكرية والتحولات السياسية، كما تعرضت شبكاتها الإقليمية إلى خسائر متراكمة، سواء بفقدان عدد من القيادات العسكرية والأمنية، أو بتراجع قدرة بعض حلفائها على الحركة والمبادرة، في وقت تفرض فيه الأوضاع الداخلية أولويات جديدة تجعل الحفاظ على استقرار النظام ومؤسساته يتقدم على مشاريع التوسع الإقليمي.

ولذلك، فإن إعادة توزيع السلطة داخل إيران لن تبقى محصورة بالمؤسسات الدستورية، بل ستنعكس أيضاً على طبيعة العلاقة بين مراكز القوة المختلفة، وفي مقدمتها الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والسياسية والدينية. فكل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن معادلة ما بعد خامنئي، لكن الحرس الثوري يواجه معادلة أكثر تعقيداً من غيره، لأن جزءاً كبيراً من شرعيته الداخلية ارتبط، طوال السنوات الماضية، بقدرته على إدارة المشروع الإقليمي وتقديمه باعتباره خط الدفاع الأول عن الجمهورية الإسلامية. ومع انحسار هذا المشروع نسبياً، يصبح الحرس مطالباً بإعادة تعريف دوره، وبإثبات أن مكانته داخل النظام لا ترتبط فقط باتساع النفوذ الخارجي، وإنما أيضاً بقدرته على حماية استقرار الدولة خلال مرحلة انتقال السلطة.

ومن هنا، تكتسب الساحة العراقية أهمية استثنائية في الحسابات الإيرانية. فهي لم تعد مجرد امتداد جغرافي أو ساحة نفوذ تقليدية، بل أصبحت الحلقة الأكثر أهمية في الحفاظ على الحد الأدنى من العمق الاستراتيجي الإيراني. فالعراق يجمع بين الحدود المباشرة مع إيران، والقرب من الخليج العربي، والتداخل الاقتصادي والأمني، فضلاً عن احتفاظه بأدوات تأثير يصعب تعويضها في ساحات أخرى فقدت جزءاً من فعاليتها. ولذلك، من المرجح أن تبقى بغداد محوراً رئيسياً في أي استراتيجية إيرانية لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي خلال السنوات المقبلة، حتى وإن تغيرت طبيعة هذا النفوذ أو أدوات ممارسته.

ولا يعني ذلك بالضرورة استمرار الأذرع الإقليمية بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين، بل ربما يشهد المشروع الإيراني تحولاً في أساليب العمل أكثر من تخليه عن أهدافه. فالمؤشرات الحالية توحي باتجاه نحو دمج بعض هذه القوى بصورة أكبر داخل مؤسسات الدولة الوطنية، وتقليص المظاهر العسكرية المباشرة، وتخفيف صورة الميليشيات العابرة للحدود، في مقابل الحفاظ على البنية التنظيمية وشبكات النفوذ والقدرة على إعادة تفعيلها متى اقتضت الحاجة. إنها عملية إعادة تموضع تهدف إلى خفض كلفة المواجهة المباشرة، دون التخلي عن أدوات التأثير التي راكمتها إيران خلال العقود الماضية.

ويعكس هذا المسار إدراكاً إيرانياً بأن المرحلة المقبلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة. فالمعادلة لم تعد تقوم على توسيع النفوذ بأي ثمن، وإنما على المحافظة على ما تبقى منه، وإعادة توظيفه بطريقة أكثر مرونة وبراغماتية، بما ينسجم مع الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية. ومن هنا، قد يصبح الاندماج المؤقت، وإعادة التموضع، والعمل عبر أدوات أقل ظهوراً، جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تجاوز المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الخسائر، بانتظار تبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.

ولا يقتصر هذا النهج على إيران وحدها، بل يبدو أنه أصبح سلوكاً تتبناه قوى ومحاور إقليمية مرتبطة بالمشروع الإيراني، تقوم على استثمار عامل الوقت، وإعادة التموضع، وتقديم تنازلات تكتيكية محدودة، دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية. ويظهر ذلك في التعاطي مع ملفات متعددة، من مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، إلى أوضاع الميليشيات، وصولاً إلى ملف السلاح غير النظامي، حيث تراهن أطراف عديدة على أن متغيرات البيئة الدولية قد تمنحها لاحقاً فرصة لإعادة بناء ما اضطرت إلى تقليصه اليوم.

وفي المحصلة، لا تبدو إيران اليوم أمام انتقال في موقع المرشد فحسب، بل أمام انتقال في فلسفة النظام ذاتها. فالجمهورية الإسلامية تدخل مرحلة لم يعد فيها السؤال متعلقاً بمن يخلف خامنئي، وإنما بكيفية إعادة إنتاج الشرعية في غياب الشخصية التي احتكرت تمثيلها لعقود، وبمدى قدرة النظام على التوفيق بين متطلبات البقاء الداخلي وإعادة صياغة دوره الإقليمي. ولهذا، قد لا يكون ما نشهده اليوم نهاية المشروع الإيراني، بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة منه؛ مرحلة أكثر براغماتية وأشد حذراً، لكنها لا تتخلى عن طموحاتها، بل تعيد ترتيب أولوياتها وأدواتها بما يضمن استمرار النظام، ويحافظ على قدرته على استعادة النفوذ متى توافرت الظروف المناسبة.

د.عامر السبايلة