تكشف مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي أرست إطار الانتقال إلى مفاوضات تمتد ستين يوماً، أن الطريق نحو التفاوض المباشر أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به المؤشرات السياسية الأولية. فالبداية المتعثرة، التي اقتصرت على توقيع إلكتروني دون لقاء مباشر، ثم الانتقال المرتقب إلى سويسرا لعقد محادثات تقنية قبل تأجيلها، تعكس أن الخلاف لا يتمحور حول نقاط إجرائية، بل حول ملفات استراتيجية تمس جوهر أي تسوية محتملة، وتعيد طرح السؤال الأعمق حول طبيعة النظام الإقليمي الذي قد يُعاد تشكيله عبر هذا المسار.
على الجانب الإيراني، جاءت رسالة المرشد لتضع الإطار السياسي العام للمفاوضات. فقد حرص التيار المحافظ على أن تتحمل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان وفريقه مسؤولية إدارة هذا المسار، مع التأكيد في الوقت نفسه أن للمرشد رؤية مختلفة، لكنه يثق بأن الفريق المفاوض لن يفرط بمصالح الجمهورية الإسلامية. وبهذه الصيغة، يمنح التيار المحافظ الحكومة هامشاً للحركة، مع الاحتفاظ بمسافة سياسية وأيديولوجية تفصله عن خيار الانخراط المباشر في التفاوض مع الولايات المتحدة.
ولا تعكس هذه الصيغة مجرد توزيع للأدوار، بقدر ما تمثل محاولة للحفاظ على بنية الشرعية التي بناها التيار المحافظ طوال عقود على أساس العداء للولايات المتحدة، بحيث يبقى التفاوض استثناءً تفرضه ضرورات حماية النظام، لا تحولاً في المبادئ. ومن هنا يمكن فهم إقرار المفاوضات المباشرة مع تحميل الحكومة كامل المسؤولية السياسية، بما يجنّب المؤسسة الدينية الظهور كطرف أعاد صياغة العلاقة مع واشنطن. كما ينسجم ذلك مع استدعاء بعض المنابر المحافظة للرواية المنسوبة إلى الحسين بن علي حين قيل له إن يزيد بن معاوية طلب منه البيعة، فقال: «رجل مثلي لا يبايع رجلاً مثله»، في محاولة للفصل بين الضرورة السياسية والمشروعية العقائدية.
وفي الجوهر، فإن المفاوضات لا تدور فقط بين واشنطن وطهران، بل داخل كلٍ منهما أيضاً؛ فكل وفد تفاوضي يفاوض خصومه في الداخل بقدر ما يفاوض الطرف المقابل.
وإذا كان الانقسام داخل إيران عميقاً حول إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، فإن المشهد داخل واشنطن لا يقل تعقيداً. فإصرار الرئيس دونالد ترامب على منح المفاوضات فرصة الستين يوماً منح نائب الرئيس جي دي فانس موقعاً متقدماً داخل تيار يميل إلى التسوية السياسية، غير أن هذا الاتجاه لا يحظى بإجماع داخل الإدارة الأمريكية، حيث تميل مؤسسات الأمن والدفاع والخزانة إلى تشديد الضغوط وعدم منح إيران مساحة زمنية إضافية. ومن المرجح أن يتزايد نفوذ هذا التيار مع كل تعثر تفاوضي جديد.
ورغم هذا التباين، تدرك واشنطن أن نجاح أي اتفاق لا يتحقق عبر الضغط وحده، بل يتطلب أيضاً تمكين الطرف الإيراني المؤيد للتسوية من تحقيق مكاسب قابلة للتسويق داخلياً. لذلك، قد تضطر الإدارة الأمريكية إلى تقديم خطوات محسوبة، ليست تنازلات استراتيجية، بل أدوات سياسية تسمح للفريق الإيراني بإدارة التوازن الداخلي داخل النظام، لأن أي اتفاق لا يعيد تشكيل موازين القوى في طهران سيبقى هشاً ومعرضاً للتفكك.
وفي المقابل، تبدو الحاجة الإيرانية إلى الحفاظ على صورة القوة عاملاً لا يقل أهمية عن مضمون التفاهمات ذاتها. فالنظام يدرك أن أي تنازل يُقدَّم داخل غرف التفاوض يجب أن يُعاد إنتاجه خارجها عبر خطاب إعلامي يصور إيران وكأنها خرجت منتصرة، وأن ما جرى هو إعادة تموضع فرضتها موازين القوة، لا تراجع عن المبادئ. ولهذا، تبقى البروباغندا السياسية والإعلامية جزءاً مركزياً من إدارة هذه المرحلة، وربما أكثر تأثيراً من الوقائع التفاوضية نفسها.
إقليمياً، تبقى إسرائيل العقدة الأكثر تعقيداً في مسار التفاوض. فالتصعيد المستمر في لبنان، والذي تستخدمه طهران لإظهار هشاشة الموقف الأمريكي، قد يدفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط تكتيكية لضبط الإيقاع العسكري خلال المفاوضات. إلا أن هذه الضغوط ستظل محدودة، في ظل توافق دولي متزايد حول مركزية الدولة اللبنانية كإطار شرعي، والدفع نحو مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب الإجماع على ضرورة نزع سلاح حزب الله. وبالتالي، فإن أي تهدئة محتملة ستكون إدارة للوقت السياسي أكثر منها تغييراً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وحتى إذا نجحت الجهود في تثبيت هدنة مؤقتة على الجبهة اللبنانية، فإن ذلك لا يعني انتقال المنطقة إلى مرحلة استقرار، بل قد يفتح الباب أمام ساحات أكثر سيولة، تبدأ من الضفة الغربية والقدس، ولا تنتهي عند الساحة السورية، سواء عبر ملف الدولة الدرزية أو ما يعرف بممر داوود. كما أن وقف الحرب دون حسم على عدة جبهات قد يدفع الإقليم نحو مرحلة من العمليات منخفضة الظهور، تتراوح بين الاغتيالات والهجمات السيبرانية والتفجيرات والأنشطة الاستخبارية، بما يعكس انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى الاستنزاف غير المعلن.
ورغم كل هذه التعقيدات، تبقى المفاوضات المباشرة الخيار الأقل كلفة حالياً لضبط التصعيد، وتأمين استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وإزالة التهديدات المحيطة به، والدفع نحو مشاركة دولية أوسع في حماية الملاحة، إلى جانب إيجاد مخرج عملي لملف اليورانيوم المخصب.
لكن ما تسعى إليه الولايات المتحدة يتجاوز بكثير الملف النووي، ليقترب من إعادة هندسة طبيعة العلاقة مع إيران، عبر إدارة ملف الأموال المجمدة، وآليات الإفراج عنها، وكيفية توظيفها، وربطها بالعقوبات ومسار رفعها التدريجي، ضمن منظومة أوسع من الالتزامات الأمنية والسياسية. وهي ملفات تمس ليس البرنامج النووي فقط، بل بنية النظام الإيراني نفسه وحدود استقلال قراره في مرحلة ما بعد الاتفاق.
وفي المقابل، يدرك النظام الإيراني أن أي تنازل في هذه المرحلة لن تكون كلفته خارجية فقط، بل داخلية أيضاً، لأنه يعيد توزيع موازين القوة داخل مؤسسات الدولة، ويمنح الفريق المفاوض مساحة أوسع على حساب مراكز القوة التقليدية التي احتكرت القرار لعقود. ولذلك، تتحول كل جولة تفاوضية إلى ساحة اشتباك مزدوجة: بين واشنطن وطهران من جهة، وداخل كل عاصمة من جهة أخرى.
ويجد الرئيس ترامب نفسه أمام معادلة داخلية لا تقل حساسية. فقاعدته السياسية تبدي تململاً من إطالة أمد المفاوضات، ما يدفعه إلى الموازنة بين استمرار المسار الدبلوماسي، والحفاظ على صورة الرئيس القادر على فرض شروطه. ومن هنا يمكن فهم عودة خطاب التهديد، سواء بالحديث عن احتمالات عسكرية، أو التلويح بقيود على تحركات الوفد الإيراني، أو التأكيد أن أي ترتيبات في مضيق هرمز ستكون خاضعة للنفوذ الأمريكي. فكما تحتاج طهران إلى البروباغندا لإدارة جمهورها الداخلي، يحتاج ترامب إلى خطاب القوة لضبط توازناته الداخلية.
وحتى إذا حاولت إيران إدراج لبنان ضمن أوراقها التفاوضية، فإن هامش الحركة بات أكثر ضيقاً. فقد حسمت واشنطن عملياً الاتجاه نحو دعم مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، وربط أي تسوية بالإجماع الدولي حول نزع سلاح حزب الله، في وقت تؤكد فيه التصريحات الأمريكية أن إنهاء دعم الوكلاء الإقليميين بات جزءاً من أي تفاهم محتمل. لذلك، تبدو قدرة إيران على استعادة قواعد الاشتباك السابقة محدودة، حتى لو استمرت في توظيف الساحة اللبنانية كورقة ضغط.
في المحصلة، لا تتعلق هذه المفاوضات بإنهاء أزمة نووية أو التوصل إلى ترتيبات تقنية حول التخصيب والتفتيش، بل بإعادة صياغة موازين القوة داخل إيران، وإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في الإقليم، ورسم ملامح النظام الشرق أوسطي في مرحلة ما بعد الحرب. ولهذا، فإن نجاحها لن يُقاس بما تتضمنه من بنود مكتوبة، بل بقدرة كل طرف على إقناع جمهوره الداخلي بأنه خرج منها منتصراً. فالمعركة الحقيقية لم تعد حول أجهزة الطرد المركزي، بل حول من يملك حق كتابة الرواية النهائية للانتصار في الشرق الأوسط.
د. عامر السبايلة
