إيران وواشنطن… من الحرب المفتوحة إلى إدارة الصراع

17/6/2026

التوقيع على اتفاق مع إيران في يوم ميلاد الرئيس ترامب الثمانين أصبح العنوان الأبرز للمشهد السياسي المرتبط بالصراع بين واشنطن وطهران. ورغم أن تفاصيل الاتفاق ما تزال غامضة، وأن كثيراً من بنوده لم تتضح بعد، إلا أن مجرد الحديث عن هذا التوقيت والرمزية المرتبطة به يعكس حجم الرهان الأمريكي على تحويل المواجهة العسكرية والضغوط المتراكمة إلى إنجاز سياسي قابل للتسويق داخلياً وخارجياً. غير أن المسألة تتجاوز توقيع اتفاق بحد ذاته؛ إذ تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة تختلف نوعياً عن مرحلة المواجهة المباشرة التي هيمنت على الأشهر الماضية. فالموضوع لم يعد يتعلق فقط بإدارة حرب أو احتواء تصعيد، بل بإعادة صياغة التوازنات التي ستحدد شكل الشرق الأوسط وايران بالذات في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، لا تبدو المفاوضات مساراً منفصلاً عن الصراع، بل امتداداً له بأدوات مختلفة، حيث تتحول الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى عناصر فاعلة في رسم ملامح التسوية المقبلة.

الأسبوع الماضي شهد عودة التصعيد العسكري لساعات، في إشارة واضحة إلى أن العوامل التي دفعت المنطقة إلى المواجهات المفتوحة ما زالت قائمة وحاضرة، وأن مسار الصراع لم يصل بعد إلى نهاياته الفعلية. فالمواجهة التي دخلتها المنطقة خلال الأشهر الماضية لم تنتهِ، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية، وتصبح فيها المفاوضات جزءاً من أدوات الصراع لا بديلاً عنه.

إسرائيلياً، بدا استهداف الضاحية الجنوبية أقرب إلى رسالة سياسية وعسكرية منه إلى عملية تهدف إلى إحداث تغيير ميداني واسع. فالضربة لم تحمل طابع العمليات العميقة أو التدمير الشامل، لكنها جاءت لتؤكد استمرار استهداف حزب الله بمعزل عن أي تفاهمات إقليمية محتملة، ولتكسر في الوقت نفسه فكرة أن التفاوض مع إيران يفرض قيوداً على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية. وبذلك أكدت إسرائيل أن خيار المواجهة مع طهران ما زال قائماً وقابلاً للتفعيل متى اقتضت الحسابات الاستراتيجية ذلك.

ومن زاوية أخرى، فإن تحريك المشهد لم يكن مطلباً إسرائيلياً فقط. فإيران لا تستطيع البقاء طويلاً تحت ضغط متواصل بدأ بالحرب واستمر عبر العقوبات والحصار. لذلك فإن كسر حالة الجمود وإعادة إنتاج مشهد المواجهة المحدودة يمنح طهران فرصة لإعادة ترميم صورة الردع وإثبات أنها ما زالت لاعباً قادراً على التأثير في معادلات الإقليم، حتى وهي تدخل مرحلة تفاوضية شديدة الحساسية.

ولهذا جاءت العودة إلى استهداف إسرائيل لتؤدي وظيفة سياسية أكثر منها عسكرية. فالدخول إلى المفاوضات من موقع يبدو أقرب إلى الخضوع الكامل للضغط الأمريكي أمر يصعب على القيادة الإيرانية قبوله داخلياً وإقليمياً. ومن هنا يصبح الرد المحدود وسيلة لإعادة رسم صورة القوة بدلاً من صورة التراجع، وإظهار استمرار الحضور الإقليمي في مواجهة الانطباع المتزايد بأن إيران تتجه تدريجياً إلى التخلي عن جزء من الأدوات التي بنت عليها نفوذها خلال العقود الماضية.

أما الولايات المتحدة، فتبدو أكثر اقتناعاً بجدوى استراتيجية تقوم على إبقاء الضغوط في حالة حضور دائم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فواشنطن تدرك أن فائض القوة الذي لا يتم استخدامه قد يتحول مع الوقت إلى عبء سياسي، ولذلك جاءت الضربات الأمريكية الأخيرة لتؤكد أن الضغط الهادف إلى دفع إيران نحو التفاوض يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ضغط عسكري يهدف إلى فرض شروط المرحلة المقبلة.

وفي الوقت نفسه، فإن الجبهات التي كانت طهران تعول عليها لنقل الأزمة إلى الداخل الإسرائيلي أو لتوسيع دائرة الفوضى الإقليمية بدأت تخضع تدريجياً لعمليات احتواء متزايدة. فالصواريخ والمسيرات المنطلقة من اليمن لم تعد تشكل عامل توازن استراتيجياً بالقدر الذي كانت عليه سابقاً، كما أن استمرار التهديد للملاحة الدولية جعل إنهاء هذه الظاهرة أولوية متصاعدة بالنسبة للقوى الكبرى، وهو ما يحد من قدرة إيران على استخدام هذه الأدوات كورقة ضغط طويلة الأمد.

لكن الأهم من كل ذلك أن المنطقة لم تعد تتحرك وفق منطق إنهاء الحرب، بل وفق منطق إدارة نتائجها. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور حول إسقاط الأنظمة أو تحقيق انتصارات عسكرية حاسمة، بل حول إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي ستنشأ بعد الحرب. ومن هذه الزاوية، يبدو أن الهدف الفعلي للتصعيد الأخير هو دفع إيران نحو القبول بقواعد لعبة جديدة أكثر من دفعها نحو الاستسلام أو المواجهة الشاملة.

ومن هنا، يبدو أن الهدف الحقيقي من التصعيد ليس الحرب بحد ذاتها، بل دفع إيران نحو الاتفاق دون مفاوضات طويلة أو استنزافية؛ أي نحو القبول بصيغة عامة يجري التفاوض على تفاصيلها تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية. وبينما يصر الإيرانيون على أن أي اتفاق يجب أن يحفظ مصالحهم ويؤمن الحد الأدنى من مكاسبهم الاستراتيجية، تقدم واشنطن الأمر باعتباره قبولاً إيرانياً بالرؤية الأمريكية لشكل المرحلة المقبلة.

لكن المشهد الإقليمي يكشف أيضاً عن تحولات أعمق. فمسار فصل الساحات يتقدم بصورة تدريجية وواضحة. ففي العراق بدأت بعض الفصائل البحث عن صيغ أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة، بما يعكس بداية مسار طويل لإنهاء مفهوم الدولة داخل الدولة. أما لبنان، فيتحرك على مسارين متوازيين؛ الأول سياسي برعاية أمريكية يعتبر المفاوضات مدخلاً لإعادة تشكيل الواقع اللبناني، والثاني أمني وعسكري يهدف إلى مواصلة الضغط على حزب الله وتقليص قدراته. والمفارقة أن المسارين يتحركان معاً دون أن يؤدي أحدهما إلى تعطيل الآخر.

ويبقى العامل الأهم متمثلاً في دفع إيران نحو التركيز على الداخل والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الإيراني لم يعد عسكرياً فقط، بل يرتبط بقدرته على إدارة استحقاقاته الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. ولذلك تكتسب مسألة رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة أهمية استثنائية، خصوصاً أن واشنطن تبدو مصرة على الاحتفاظ بقدر من التأثير على أولويات النظام الإيراني وسلوكه المستقبلي.

وفي المقابل، تبقى الرؤية الإسرائيلية حاضرة بقوة. ففكرة التعايش مع التهديد الإيراني دخلت بالنسبة لإسرائيل دائرة غير المقبول، لكن إضعاف النظام الإيراني لم يعد بالضرورة الهدف الأعلى بعد كل ما شهدته المنطقة من حروب ومواجهات. ولذلك يبدو من الصعب أن يحمل أي اتفاق محتمل مع إيران نهاية فعلية لفكرة الحرب أو إسدال الستار على الصراع القائم.

فالسيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الانتقال من الحرب إلى السلام، بل من الحرب المفتوحة إلى الحرب المؤجلة؛ أي من مرحلة القتال المباشر إلى مرحلة إدارة الصراع وإعادة ضبط موازينه. وعندها سيبقى التفوق الاستخباري والعسكري الأمريكي والإسرائيلي أداة دائمة لإعادة تشكيل التوازنات كلما ظهر خلل سياسي أو أمني يهدد المعادلة الجديدة التي يجري بناؤها في المنطقة. وبذلك قد لا يكون الاتفاق المرتقب نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة منه؛ مرحلة تُدار فيها المواجهة بأدوات مختلفة، لكن ضمن الأهداف الاستراتيجية ذاتها.

د. عامر السبايلة