14/6/2026
الأسبوع الماضي شهد عودة التصعيد العسكري لساعات، في إشارة واضحة إلى أن العوامل التي دفعت المنطقة إلى المواجهات المفتوحة ما زالت قائمة، وأن الصراع لم يصل بعد إلى نهاياته الفعلية.
بالنسبة للأطراف الثلاثة الرئيسية، بدا المشهد كاشفاً لطبيعة المرحلة الحالية. إسرائيلياً، فإن استهداف الضاحية الجنوبية في هجوم يمكن وصفه بالرمزي لم يحمل طابع الضربات العميقة أو عمليات التدمير الواسعة، بل بدا أقرب إلى محاولة مدروسة لدفع إيران نحو الرد وإعادة تحريك المشهد. وهو أمر لم يكن مستبعداً، فإيران لا تستطيع البقاء طويلاً تحت ضغط متراكم بدأ بالحرب وتواصل عبر العقوبات والحصار، ما يجعل كسر حالة الجمود حاجة إيرانية أيضاً.
في المقابل، يظل الإصرار الإسرائيلي على مواصلة استهداف حزب الله وعزل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهمات محتملة هدفاً ثابتاً. كما أن كسر فكرة المحظور المرتبط باستهداف إيران خلال مرحلة التفاوض ظهر بصورة واضحة، بما يؤكد أن خيار المواجهة مع طهران ما زال حاضراً في الحسابات الإسرائيلية وقابلاً للتفعيل في أي لحظة.
إيرانياً، فإن العودة إلى استهداف إسرائيل تحمل بعداً سياسياً يتجاوز البعد العسكري. فالذهاب إلى المفاوضات بصورة توحي بالخضوع للضغط الأمريكي أمر لا ترغب طهران في قبوله، ولذلك يصبح الرد المحدود وسيلة لإعادة إنتاج صورة القوة وإظهار استمرار الحضور الإقليمي في مواجهة الانطباع المتزايد بأن إيران تتجه إلى الانكفاء والتراجع.
أما الولايات المتحدة، فتبدو أكثر اقتناعاً بفعالية استراتيجية الضغط المستمر وإبقاء حالة الاستنزاف قائمة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. فالرسالة الأمريكية اليوم تقوم على أن الضغط الهادف إلى دفع إيران نحو التفاوض يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ضغط عسكري يهدف إلى فرض شروط الاتفاق.
وفي الوقت نفسه، فإن الجبهات التي كانت طهران تعول عليها لنقل الأزمة إلى الداخل الإسرائيلي أو لتوسيع الفوضى الإقليمية بدأت تخضع تدريجياً لعمليات احتواء متزايدة. فالصواريخ أو المسيّرات المنطلقة من اليمن لم تعد تشكل عامل توازن استراتيجياً، كما أن استمرار التهديد للملاحة الدولية يجعل البعد الدولي أكثر حضوراً ويعزز الضغوط الرامية إلى إنهاء هذه الظاهرة.
من هنا، يبدو أن الهدف الحقيقي من التصعيد الأخير هو دفع إيران نحو الاتفاق من دون مفاوضات طويلة، أي نحو القبول بصيغة جاهزة تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية. لكن المشهد الإقليمي يكشف أيضاً عن تحولات يصعب تجاهلها.
فمسار فصل الساحات يتقدم بصورة تدريجية وواضحة. ففي العراق بدأت بعض الفصائل البحث عن صيغ أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة، بينما يتحرك لبنان على مسارين متوازيين؛ الأول سياسي برعاية أمريكية يقوم على اعتبار المفاوضات مدخلاً لإعادة تشكيل الواقع اللبناني، والثاني أمني يهدف إلى مواصلة الضغط على حزب الله وتقليص قدراته.
ويبقى العامل الأهم متمثلاً في دفع إيران نحو التركيز على الداخل والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فالنظام الإيراني يواجه اليوم استحقاقات داخلية معقدة، ويصبح العامل الاقتصادي فيها حاسماً. ولذلك تكتسب مسألة رفع العقوبات التدريجي والإفراج عن الأموال المجمدة أهمية استثنائية، خصوصاً أن واشنطن تبدو مصرة على الاحتفاظ بقدر من الوصاية السياسية على أولويات النظام الإيراني وسلوكه المستقبلي. وهي معادلة قد تقود لاحقاً إلى نقاشات أعمق تتعلق ببنية النظام نفسه وأدبياته وسياساته وربما مستقبل بعض مراكزه الأساسية.
وفي المقابل، تبقى الرؤية الإسرائيلية حاضرة بقوة. ففكرة التعايش مع التهديد الإيراني أصبحت بالنسبة لإسرائيل أكثر صعوبة من أي وقت مضى. لذلك يبدو من المستبعد أن يحمل أي اتفاق محتمل نهاية فعلية للحرب، بل قد ينقل المنطقة إلى مرحلة جديدة تقوم على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، مع بقاء التفوق الاستخباري والعسكري الأمريكي والإسرائيلي أداة دائمة لإعادة ضبط التوازنات كلما دعت الحاجة.
د.عامر السبايلة
