إسرائيل وإيران وإعادة رسم خرائط الردع في الشرق الأوسط

مع تعمق العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وبالتوازي مع استمرار مسار المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، تبدو المنطقة أمام واقع جديد قد يرقى إلى مستوى الانقلاب الكامل على المعادلات التي حكمت الجبهة اللبنانية منذ نهاية حرب عام 2006.

من منظور استخباري واستراتيجي، تعيد إسرائيل صياغة الواقع الأمني على حدودها الشمالية بصورة تختلف جذرياً عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية. فالتقدم الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني لا يعني فقط السعي إلى تحييد حزب الله، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف مفهوم العمق الاستراتيجي وآليات الردع على امتداد الجبهة الشمالية. وهذه المقاربة لا يمكن أن تمر من دون تداعيات عميقة على الحزب، الذي يواجه خسائر مادية وبنيوية متزايدة تدفعه إلى التمسك بما تبقى من مكتسباته السياسية. كما أن إسرائيل نجحت عملياً في نقل المواجهة من إطار جولات التصعيد المتكررة إلى مستوى الصراع الوجودي، ما يجعل الحزب أكثر ميلاً إلى رفع كلفة أي تسوية محتملة على مختلف الأطراف.

في المقابل، تبدو الديناميكيات داخل إيران أكثر تعقيداً. فداخل مؤسسات الدولة يتنافس تيار تفاوضي مع تيار أمني يرتبط بالمؤسسة العسكرية والحرس الثوري. غير أن هذا التنافس لا يدور حول الأهداف الاستراتيجية النهائية، إذ يشترك الطرفان في هدف منع تكريس أي انتصار إسرائيلي استراتيجي، بينما يتمحور الخلاف حول الأدوات والتوقيت. فالتيار الدبلوماسي يراهن على تجميد الصراع عبر مسارات تفاوضية، في حين يرى التيار الأمني أن التصعيد المنضبط يمثل الورقة الأكثر فاعلية لتحسين شروط التفاوض. ومن هنا، فإن ما يبدو انقساماً داخلياً ليس سوى خلاف حول إدارة التصعيد وجدوله الزمني. وكلما طال أمد الجمود السياسي، ارتفعت احتمالات لجوء طهران إلى أدوات ضغط إضافية، سواء عبر الوكلاء أو من خلال توسيع نطاق التهديدات البحرية ورفع مستوى التوتر في الخليج ومضيق هرمز.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم العديد من التحركات العسكرية المتبادلة خلال المرحلة الأخيرة. فاختيار إسرائيل استهداف الضاحية الجنوبية، رغم إدراكها المسبق أن ذلك قد يدفع إيران إلى الرد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا يبدو منفصلاً عن منطق إدارة التصعيد نفسه. فمن جهة، كانت طهران بحاجة إلى إظهار قدرتها أمام جمهورها الداخلي وحلفائها على حماية شبكة نفوذها الإقليمية والرد على إسرائيل بما يحافظ على صورة الردع ويمنع ترسيخ انطباع بأنها انتقلت إلى موقع الدفاع الاستراتيجي. ومن جهة أخرى، تدرك بعض دوائر القرار الإيرانية أن إظهار القوة في لحظة التفاوض قد يوفر أوراقاً إضافية يمكن استثمارها لاحقاً في أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي معادلة ردع تحاول إيران فرضها باعتبارها تهديداً استراتيجياً ينبغي كسره بصورة مبكرة، سواء تعلق الأمر بمعادلة الضاحية مقابل شمال إسرائيل أو بقدرة طهران على استخدام الساحات الإقليمية كوسيلة ضغط دائمة. ولذلك لا يقتصر الهدف الإسرائيلي على الرد المباشر، بل يمتد إلى اختبار مستوى استعادة إيران لقدراتها العسكرية والصاروخية بعد سنوات من الاستنزاف والعقوبات، عبر مراقبة أنماط الرد وتقييم الجاهزية العملياتية ومنظومات الإطلاق. وفي الوقت ذاته، يتكامل هذا المسار مع الجهد الإسرائيلي الأوسع الرامي إلى فصل الساحة اللبنانية تدريجياً عن المظلة الإيرانية، عسكرياً عبر استمرار العمليات الميدانية، وسياسياً من خلال المسار التفاوضي الجاري برعاية أمريكية.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في تقييم المخاطر المستقبلية. فالانقسامات داخل الأنظمة الثورية ذات الطابع الأمني لا تعني بالضرورة بروز توجهات أكثر اعتدالاً، بل كثيراً ما تدفع الأجنحة المتنافسة إلى إظهار قدر أكبر من التشدد لتجنب الظهور بمظهر الطرف الأضعف. وفي مثل هذه البيئات، تتحول المنافسة الداخلية إلى عامل يزيد احتمالات المغامرة المحسوبة بدلاً من الحد منها.

أما على المستوى الدولي، فقد أدى إصرار الرئيس ترامب على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع إيران إلى تعميق التباين الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. ففي حين ينظر البيت الأبيض إلى المفاوضات باعتبارها فرصة لإنتاج استقرار يمكن توظيفه سياسياً عبر اتفاق نووي أو تفاهمات أمنية أوسع، ترى إسرائيل أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة نادرة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بصورة قد لا تتكرر. لذلك تتواصل الاستعدادات الإسرائيلية ضمن سيناريو المواجهة متعددة الأبعاد مع إيران، بما يشمل الخيارات العسكرية والعمليات الاستخبارية. وينتج عن هذا التباعد ما يمكن وصفه بـ«أزمة إدارة التحالف»، حيث يبقى الحلف قائماً من الناحية الرسمية، فيما تتزايد الفجوة في الأولويات والأهداف. وتكمن خطورة هذه الحالة في أنها ترفع احتمالات المبادرات الأحادية التي قد تفرض على الحليف الانخراط في مسارات لم يكن يرغب بها.

وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم أدوات الضغط الإيرانية. فالقيمة الاستراتيجية للتهديد لا تكمن بالضرورة في إغلاق المضيق فعلياً، بل في تكريس حالة دائمة من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية. فمجرد ارتفاع مستويات المخاطر المدركة كفيل بإحداث تأثيرات ملموسة في أسعار الطاقة والتأمين والنقل البحري. وبهذا المعنى، تستطيع طهران تحقيق جزء مهم من مكاسبها الاستراتيجية من دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة أو الإغلاق الكامل للممر الملاحي.

ومن هنا، يمكن القول إن ساحة المواجهة الحقيقية لم تعد محصورة في لبنان أو الخليج، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي نفسه. فإيران تعتمد استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تقوم على الضغوط المتدرجة والرسائل العسكرية المحدودة والتهديدات البحرية المدروسة، بما يبقي النظام الإقليمي والدولي في حالة توتر مستمر. كما تمنحها هذه المقاربة القدرة على ممارسة الضغط على أوروبا وآسيا والولايات المتحدة في آن واحد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

أما داخل إسرائيل، فإن التوترات السياسية واحتمالات الانتخابات المبكرة تضيف بعداً جديداً إلى عملية صنع القرار. فالحرب لم تعد مجرد ملف أمني، بل أصبحت جزءاً من المنافسة السياسية الداخلية. وفي مثل هذه الظروف، لا يقتصر حساب القادة على الموازنة بين الكلفة العسكرية والعائد الاستراتيجي، بل يمتد ليشمل الكلفة السياسية لأي تنازل محتمل، الأمر الذي يقلص هامش المرونة التفاوضية بصورة واضحة.

لذلك، فإن المؤشر الأهم خلال الأشهر المقبلة لن يكون عدد الهجمات أو حجم الخسائر البشرية، بل طبيعة العقيدة العملياتية التي ستتبناها إسرائيل على الأرض. فإذا استمر الجيش الإسرائيلي في تعزيز وجوده خارج الليطاني وتوسيع نطاق انتشاره العملياتي، فإن المنطقة ستدخل تدريجياً في منطق جديد يقوم على السيطرة الأمنية المباشرة بدلاً من الردع المتبادل. وعندها سيكون النموذج الذي حكم الجبهة اللبنانية منذ عام 2006 قد دخل فعلياً مرحلة الانتهاء.

في المحصلة، لم يعد المشهد الراهن قابلاً للعودة إلى ما كان عليه سابقاً. وحتى لو نجحت المساعي الدبلوماسية في فرض هدنة مؤقتة أو تجميد محدود للتصعيد، فإن البنية العميقة للأزمة ستبقى قائمة. فالمنطقة لا تتجه نحو سلام مستقر، كما أنها لا تبدو على أعتاب حرب إقليمية شاملة، بل تتجه نحو نموذج جديد من المواجهة الدائمة يقوم على صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة، وردع غير مكتمل، وضغط مستمر على أسواق الطاقة، وتزايد في تفتت النظام الإقليمي. والأهم من ذلك أن ما يجري اليوم لا يقتصر على تبادل الضربات أو إدارة أزمات متلاحقة، بل يعكس عملية إعادة هندسة شاملة لمنظومة الردع التي حكمت الشرق الأوسط طوال العقدين الماضيين. فالمعادلات التي نشأت بعد حرب 2006 تتعرض اليوم لتفكيك منهجي، فيما تتشكل تدريجياً قواعد اشتباك جديدة تمتد من جنوب لبنان إلى الخليج، ومن الساحات الإقليمية إلى الممرات البحرية والاقتصاد العالمي. وبهذا المعنى، فإن الصراع الدائر لا يتعلق فقط بموازين القوة الراهنة، بل بتحديد شكل النظام الإقليمي المقبل وحدود النفوذ فيه. لذلك، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة انتقال تاريخية نادرة، لا يعاد فيها رسم خرائط النفوذ والتحالفات فحسب، بل يعاد فيها تعريف مفهوم الردع ذاته، وهو تحول قد تكون تداعياته أكثر عمقاً واستدامة من نتائج أي حرب تقليدية محدودة.

د. عامر السبايلة