من الليطاني إلى هرمز… معركة إعادة تشكيل الإقليم

 مع تعمق العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وبالتوازي مع استمرار المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، تبدو المنطقة أمام واقع جديد قد يرقى إلى مستوى الانقلاب الكامل على المعادلات التي حكمت الجبهة اللبنانية منذ نهاية حرب 2006.

من منظور استخباري واستراتيجي، تعيد إسرائيل صياغة الواقع الأمني على حدودها الشمالية بصورة تختلف جذرياً عما عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين. فالتقدم إلى ما بعد نهر الليطاني لا يعني فقط السعي إلى تحييد حزب الله، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف العمق الاستراتيجي وآليات الردع على امتداد الجبهة الشمالية. ومع تزايد خسائر الحزب المادية والبنيوية، يصبح الحفاظ على مكتسباته السياسية أولوية وجودية. كما أن إسرائيل نجحت عملياً في نقل المواجهة من إطار جولات التصعيد الدورية إلى مستوى الصراع الوجودي، ما يدفع الحزب إلى رفع كلفة أي تسوية محتملة.

في المقابل، تبدو الديناميكيات داخل إيران أكثر تعقيداً. فالتنافس بين التيار التفاوضي والتيار الأمني المرتبط بالحرس الثوري لا يدور حول الأهداف النهائية، بل حول أدوات تحقيقها. فكلاهما يسعى إلى منع تكريس أي انتصار إسرائيلي استراتيجي، لكن الخلاف يتعلق بتوقيت التصعيد وأدواته. لذلك فإن ما يبدو انقساماً داخلياً ليس سوى اختلاف في إدارة الأزمة. وكلما طال الجمود السياسي، ازدادت احتمالات لجوء طهران إلى أدوات ضغط إضافية، سواء عبر الوكلاء أو من خلال التصعيد البحري والتهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، وربما عبر استهداف مصالح حيوية في الخليج.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن الانقسامات داخل الأنظمة الثورية الأمنية لا تنتج عادة اعتدالاً سياسياً، بل تدفع الأجنحة المتنافسة إلى مزيد من التشدد لتجنب الظهور بمظهر الطرف الأضعف، ما يزيد احتمالات المغامرة المحسوبة.

على المستوى الدولي، أدى إصرار الرئيس ترامب على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع إيران إلى تعميق التباين الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. ففي حين ترى الإدارة الأمريكية في المفاوضات فرصة لإنتاج استقرار قابل للتوظيف سياسياً، تعتبر إسرائيل أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ومن هنا تبرز ملامح ما يمكن تسميته بـ«أزمة إدارة التحالف»، حيث يبقى التحالف قائماً رسمياً بينما تتباعد الأولويات، ما يرفع احتمالات المبادرات الأحادية غير المنسقة.

وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم أدوات الضغط الإيرانية. فالقيمة الاستراتيجية للتهديد لا تكمن في إغلاقه فعلياً، بل في إبقاء أسواق الطاقة تحت تأثير المخاطر المستمرة. فمجرد ارتفاع مستويات القلق كفيل بالتأثير في أسعار الطاقة والتأمين والنقل البحري، ما يمنح طهران مكاسب استراتيجية من دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة. ومن هنا لم تعد ساحة المواجهة الحقيقية محصورة في لبنان أو الخليج، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث تعتمد إيران استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تقوم على الضغوط المتدرجة والرسائل العسكرية المحدودة لإبقاء النظام الإقليمي والدولي في حالة توتر مزمن من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

أما داخل إسرائيل، فإن التوترات السياسية واحتمالات الانتخابات المبكرة تضيف بعداً جديداً إلى عملية صنع القرار. فالحرب لم تعد مجرد ملف أمني، بل أصبحت جزءاً من المنافسة السياسية الداخلية، ما يقلص هامش المرونة التفاوضية ويجعل أي تنازل محتمل أكثر كلفة سياسياً.

لذلك، فإن المؤشر الأهم خلال الأشهر المقبلة لن يكون عدد الهجمات أو حجم الخسائر البشرية، بل طبيعة العقيدة العملياتية الإسرائيلية. فإذا استمر الجيش الإسرائيلي في تعزيز وجوده خارج الليطاني وتوسيع انتشاره الميداني، فإن المنطقة ستدخل تدريجياً في منطق السيطرة الأمنية المباشرة بدلاً من الردع المتبادل، بما يعني عملياً انتهاء النموذج الذي حكم الجبهة اللبنانية منذ عام 2006.

في المحصلة، لا تتجه المنطقة نحو سلام مستقر ولا نحو حرب إقليمية شاملة، بل نحو نموذج جديد من المواجهة الدائمة يقوم على صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة، وردع غير مكتمل، وضغط مستمر على أسواق الطاقة، وتزايد في تفتت النظام الإقليمي. وبهذا المعنى، يدخل الشرق الأوسط مرحلة تاريخية جديدة يعاد فيها رسم النفوذ والردع والتحالفات وقواعد الاشتباك في آن واحد، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر هشاشة وتعقيداً وربما أكثر خطورة من حرب تقليدية محدودة.

د. عامر السبايلة