إيران… حين تنتقل المواجهة إلى الداخل

2/6/2026

في إدارة المواجهة المستمرة مع إيران، لم يكن الهدف الأمريكي محصوراً في احتواء التصعيد العسكري أو منع انزلاق المنطقة إلى فوضى مفتوحة، بل في إدارة لحظة إقليمية شديدة الحساسية بأقل قدر ممكن من الاضطراب. كان مهماً أن يمر موسم الحج من دون توترات كبرى، وأن تمر الاستحقاقات الدولية والإقليمية بسلاسة، وأن تبقى أسواق الطاقة تحت السيطرة. لكن خلف هذا المشهد، كانت معركة أعمق تتشكل على مستويين متوازيين: إقليمي، وإيراني داخلي.

على المستوى الإقليمي، اتجهت الاستراتيجية الأمريكية إلى تفكيك الجبهات التي بنت إيران من خلالها مشروع نفوذها الممتد في المنطقة. وفي مقدمة هذه الجبهات جاء الملف اللبناني، بوصفه إحدى أكثر ساحات الاشتباك حساسية وتأثيراً. فهناك تبرز محاولة واضحة لانتزاع لبنان سياسياً من دائرة النفوذ الإيراني، عبر رعاية أمريكية لخلق ظروف تسمح بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بما قد يفتح الباب لاحقاً أمام اتفاق إطاري تريد واشنطن أن يكون جزءاً من مسار إقليمي أوسع مرتبط بالاتفاقات الإبراهيمية.

وفي الوقت نفسه، تُمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك ضد حزب الله داخل لبنان، بما يعني عملياً تنفيذ الجزء الأمني والميداني المؤجل من أي تسوية سياسية محتملة. ورغم تعقيد المشهد اللبناني وتشابكاته الداخلية والإقليمية، فإن المسار القائم يوحي بأن واشنطن نجحت إلى حد بعيد في نقل الملف اللبناني سياسياً بعيداً عن إيران، وتقليص قدرتها المباشرة على التأثير في مساره الداخلي.

أما داخل إيران نفسها، فالمشهد يبدو أكثر تعقيداً وحساسية. ورغم استمرار التصعيد، فإن احتمال الوصول إلى اتفاق لا يزال قائماً، وربما أكثر من أي وقت مضى. فالحرب التي استهدفت الداخل الإيراني سياسياً وأمنياً واقتصادياً لم تُصمم للوصول إلى سيناريو الانهيار الكامل أو إسقاط النظام على الطريقة العراقية، وهو السيناريو الذي حذرت منه واشنطن مراراً. ولهذا لم يكن استهداف البنية الحيوية الإيرانية شاملاً أو مدمراً بالكامل، كما لم يكن ضرب قطاع الطاقة بصورة كاسحة جزءاً من المشهد.

الهدف بدا مختلفاً وأكثر دقة: ضغط عميق ومنهجي من دون الذهاب إلى الفوضى. إنها عملية إعادة تشكيل للنظام من الداخل، أكثر مما هي محاولة لإسقاطه من الخارج.

وفي هذا السياق، جاء الحصار البحري، والعقوبات الاقتصادية، وتجميد الأموال، وملاحقة التدفقات المالية المرتبطة بإيران، بما فيها المرتبطة بالعملات المشفرة، ضمن إطار حرب استنزاف مالي هدفها الضغط على بنية الدولة الإيرانية في لحظة تحتاج فيها السلطة إلى سيولة نقدية مرتفعة لإدارة واقع داخلي معقد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ومن هنا تحولت مسألة الأموال الإيرانية المجمّدة إلى واحدة من أهم أوراق الصراع، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة النظام على الاستمرار، وإدارة توازناته الداخلية، واحتواء الضغوط الاجتماعية المتراكمة. وبذلك تصبح عملية تطويع النظام أكثر فاعلية وأقل كلفة من سيناريو المواجهة الشاملة، لأنها تدفع تدريجياً إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل بنية الحكم نفسها.

بهذا المعنى، انتقلت الأزمة فعلياً إلى الداخل الإيراني عبر بوابة السياسة والاقتصاد معاً. ولم يعد السؤال متعلقاً فقط بإدارة المواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل بمن يملك القدرة على إدارة مرحلة الانتقال داخل إيران نفسها، ومن يستطيع الحفاظ على تماسك السلطة خلال واحدة من أكثر مراحل الجمهورية الإسلامية حساسية منذ تأسيسها.

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال داخلي أكثر عمقاً: هل ما تزال أدبيات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل كافية لإدارة مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متراكمة؟ وهل ما تزال السياسات الإقليمية القائمة على شبكات النفوذ والميليشيات قابلة للاستمرار بالكلفة نفسها في ظل التحولات الحالية؟

من هنا، لم يكن توقيت ضرب إيران منفصلاً عن السياق، بل جاء بعد استهداف تدريجي للجبهات المرتبطة بها إقليمياً، وفي مقدمتها لبنان. وضرب المركز الإيراني في هذه المرحلة لا يهدف فقط إلى الضغط على طهران، بل إلى تفكيك البنية الإقليمية للمشروع الإيراني، وقطع خطوط النفوذ الممتدة بين طهران وبيروت، وتقليص قدرة إيران على إعادة إنتاج حضورها الإقليمي بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الماضية.

لكن هذه عملية طويلة ومعقدة ومحكومة بمحاذير كثيرة. ولذلك يمكن النظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها دخلت مرحلتها الأكثر حساسية: مرحلة دفع النظام الإيراني نحو التغيير من الداخل، بما ينعكس لاحقاً على سلوكه السياسي ودوره الإقليمي.

وتظهر ملامح هذا التحول بالفعل في كواليس المفاوضات. فالإصرار الأمريكي على أن التنازلات الإيرانية الجوهرية قد أُنجزت أو تم التوافق على إطارها، لا يتناقض مع حاجة النظام الإيراني إلى إعادة تقديم هذه التنازلات داخلياً بصيغة تحفظ تماسكه وتمنع ظهورها بوصفها تراجعاً استراتيجياً.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية داخل إيران: بين تيار يرى في التسويات خسارة للمشروع وتراجعاً عن النفوذ، وتيار آخر يقدم نفسه باعتباره القادر على منع الانهيار، وفتح باب التفاهم مع واشنطن، وربط ذلك بعودة الأموال وتخفيف العقوبات وإعادة تدوير الاقتصاد الإيراني.

وفي موازاة ذلك، يبقى العامل الاقتصادي والاجتماعي الأكثر ثقلاً في المشهد الداخلي الإيراني. فالأزمة المعيشية المتراكمة تشكل بيئة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، وقد تتحول إلى مدخل لأزمة أمنية وسياسية يصعب احتواؤها إذا تزامنت مع انقسام داخلي داخل بنية النظام نفسها.

وفي ظل انشغال إيران بداخلها، تبقى احتمالات الدفع نحو تحولات داخلية عبر العمل الاستخباري أو الضغوط الأمنية قائمة أيضاً، وهو ملف يبدو مرشحاً للبقاء ضمن الحسابات الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية متعلقاً بما بعد أي اتفاق محتمل: كيف سيتم التعامل مع إيران لاحقاً؟ وما طبيعة الضمانات التي يمكن تقديمها لدول الخليج في مواجهة أي تهديدات أو استهدافات إيرانية مستقبلية؟

هذا الملف لا يزال غائباً عن كثير من التسريبات المرتبطة بأي اتفاق مرتقب، لكنه في الواقع سيكون أحد أكثر بنوده حساسية. فالمعادلة المقبلة لن تتوقف عند حدود تسويق السلام الإقليمي أو توسيع الاتفاقات الإبراهيمية، بل ستبقى مرتبطة أولاً بمدى قدرة أي تسوية قادمة على إحداث تغيير فعلي ومستدام في السلوك الإيراني داخل الإقليم.

فالمواجهة لم تعد تدور فقط على حدود إيران، ولا في ساحات نفوذها التقليدية، بل باتت تدور داخل بنيتها السياسية والاقتصادية نفسها. ومن هنا، فإن مستقبل الإقليم لن تحدده فقط نتائج التفاوض مع طهران، بل أيضاً ما ستنتجه موازين القوة داخل النظام الإيراني في مرحلة ما بعد المواجهة.

د. عامر السبايلة