إيران بين الحصار والتحول البنيوي… الاستعداد لحرب البقاء الطويلة

17/5/2026

مع استمرار الحصار الأمريكي على إيران، بهدف تطويعها وفرض الرؤية الأمريكية على سلوكها الإقليمي والعسكري، يبرز داخل دوائر القرار الغربية تياران متوازيان في مقاربة الملف الإيراني. الأول يرى أن الضغط الاقتصادي والسياسي المتواصل كفيل بنقل الأزمة تدريجياً إلى الداخل الإيراني، بما يؤدي إلى إنهاك النظام واستنزافه اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، مع بقاء عامل الوقت العنصر الحاسم في إنجاح هذا المسار. فوفق هذه القراءة، لا يحتاج إسقاط التوازن الإيراني إلى مواجهة شاملة بقدر ما يحتاج إلى استنزاف طويل يراكم الضغوط حتى تصل الجمهورية الإسلامية إلى مرحلة التآكل البنيوي.

أما التيار الثاني، الأقرب إلى الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى “تركيع إيران”، فينطلق من قناعة مختلفة، مفادها أن الحصار وحده لم يعد كافياً، وأن منع إيران من استعادة قدراتها يتطلب ضربات قاصمة للبنية الداخلية للنظام ومراكزه الحيوية. ولهذا تتصاعد سيناريوهات التصعيد، من الاغتيالات والعمليات النوعية داخل العمق الإيراني، إلى فرضيات التعامل المباشر مع ملف اليورانيوم المخصب، أو تحريك مجموعات مسلحة من الداخل، ضمن مقاربة تقترب من “عقيدة ريغن” القائمة على دعم الفاعلين المحليين لإضعاف الخصوم من الداخل.

ومع تعثر إنتاج اتفاق جديد بالشروط الأمريكية، تتزايد احتمالات كسر الجمود عبر التصعيد العسكري، خاصة مع تراجع الرهانات داخل واشنطن على وجود تيار إيراني “براغماتي” قادر على تقديم التنازلات المطلوبة. وهنا يظهر الخطأ المنهجي الأبرز في جزء كبير من التحليلات الغربية، وخصوصاً الأمريكية، والمتمثل في الاستمرار في تفسير الجمهورية الإسلامية وفق نموذج الدولة القومية التقليدية ذات البنية الهرمية المرتبطة بمركز سلطة واحد.

فهذا النموذج لم يعد قابلاً للتطبيق على إيران منذ سنوات طويلة. فالجمهورية الإسلامية لم تعد نظاماً عمودياً يؤدي استهداف رأسه إلى انهياره، بل تحولت تدريجياً إلى منظومة أمنية موزعة، متعددة المستويات، وقادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في غياب المركز التقليدي للسلطة.

ولهذا، فإن إيران ما بعد علي خامنئي لا تمر بأزمة خلافة بالمعنى التقليدي، بل تستكمل تحولاً بنيوياً عميقاً داخل النظام نفسه. فالمؤسسة الإيرانية استوعبت مبكراً مبدأ “قطع الرأس الاستراتيجي”، وأعادت تشكيل بنيتها الداخلية على أساس توزيع السلطة وتفكيك مركزيتها، بما يضمن استمرارية القرار تحت الضغط الخارجي. ومن هنا، فإن الغموض المحيط بمجتبى خامنئي لا ينبغي تفسيره بوصفه دليلاً على الضعف، بل باعتباره جزءاً من إعادة تعريف وظيفة القيادة نفسها.

لقد أدركت المؤسسة الإيرانية أن التركيز الأيقوني للسلطة يمثل هشاشة استراتيجية، وأن قابلية تحديد مركز القرار تعني قابليته للاستهداف. لذلك لم تعد القيادة الكاريزمية ذات الظهور العالي هي النموذج المفضل داخل الجمهورية الإسلامية، بل يتجه النظام نحو صيغة تقوم على وظيفة تنسيق غير مرئية بين الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية والشبكات الدينية والحرس الثوري.

أما التحول الأعمق، فيتمثل في الانتقال التدريجي من المبدأ الديني–الفقهي إلى المبدأ الأمني–الإداري. فالجمهورية الإسلامية، وإن حافظت شكلياً على بنيتها الثيوقراطية، تتطور عملياً نحو تكنوقراطية أمنية ذات شرعية دينية، تهيمن عليها مؤسسات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية أكثر من المؤسسة الدينية التقليدية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي قراءة شخصيات مثل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وأحمد وحيدي بوصفها مراكز قوى متصارعة، بل باعتبارها أذرعاً وظيفية لمنظومة واحدة تتقاسم الأدوار بين التفاوض والردع والإدارة الداخلية ضمن استراتيجية موحدة. فالجهاز الدبلوماسي والجهاز الأمني لا يعملان في حالة تناقض، بل ضمن تكامل يهدف إلى تعزيز المرونة التفاوضية والصلابة الاستراتيجية في آن واحد.

لكن العنصر الأكثر أهمية يتمثل في ترسخ قناعة داخل المؤسسة الإيرانية بأن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد قابلة للتجنب على المدى الطويل. وهذا الإدراك غيّر بصورة جذرية سلوك النظام، الذي لم يعد يفكر بمنطق “التطبيع الدولي”، بل بمنطق “البقاء التاريخي”.

ومن هنا يمكن فهم عمليات إعادة توزيع سلاسل القيادة، والتقسيم المفرط للمعلومات، وتغليف القيادة بالغموض، وتصاعد استقلالية أذرع “محور المقاومة”. فهذه الديناميات لا تعكس فوضى داخلية كما يُعتقد غربياً، بل تمثل تحضيرات بنيوية لحرب استنزاف جيوسياسية طويلة.

إيران اليوم لا تحاول فقط الخروج من الحصار، بل تسعى إلى أن تصبح غير قابلة للاستهداف البنيوي داخل الحصار نفسه. ولهذا تبدو كثير من التقديرات الغربية المتعلقة بفعالية الضغط الاقتصادي مضللة، لأن النخبة الإيرانية لم تعد تفكر وفق نموذج “الدولة الطبيعية” الساعية إلى الازدهار والاستقرار، بل وفق نموذج “البقاء الثوري”، القادر على تحمل مستويات عالية من التدهور الاقتصادي والعزلة والضغط الاجتماعي دون انهيار النظام.

وفي ضوء ذلك، لم تعد العمليات الأمريكية والإسرائيلية تتحرك ضمن مفهوم الاحتواء التقليدي لإيران، بل ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالكامل، من غزة ولبنان إلى العراق والممرات البحرية الاستراتيجية. ولهذا، فإن الانتقال من مفاهيم مثل “الغضب الملحمي” إلى ما بات يعرف بـ”المطرقة الثقيلة” لا يعكس مجرد تصعيد عسكري مرحلي، بل تحوّلاً نحو عقيدة استراتيجية جديدة تتجاوز فكرة احتواء إيران إلى محاولة إعادة تشكيل بنية النظام نفسه.

إن الخطأ التحليلي الأكبر في الغرب يتمثل اليوم في تفسير غموض النظام الإيراني باعتباره مؤشراً على الضعف، بدلاً من فهمه بوصفه تكيفاً تطورياً لمنظومة استطاعت البقاء لعقود في مواجهة العقوبات، والاختراقات، والتخريب، وعمليات “قطع الرأس الاستراتيجي”. فإيران لم تعد تتحرك بعقلية دولة تسعى للعودة إلى النظام الدولي كما كان، بل بعقلية منظومة تستعد لحرب بقاء طويلة، تعتبر أن النجاة لا تتحقق عبر إنهاء الحصار، بل عبر التحول إلى كيان يصعب إسقاطه حتى داخل الحصار نفسه.

د.عامرالسبايلة