في الوقت الذي تدخل فيه الحرب مع إيران مرحلة التجميد المؤقت، بدأت ملامح استراتيجية أمريكية جديدة لمكافحة الإرهاب بالظهور، كاشفة عن شكل المرحلة المقبلة في السياسة الأمنية الأمريكية. هذه الاستراتيجية، المبنية على مبدأ “السلام عبر القوة”، لا تقوم فقط على الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، بل على مفهوم أوسع يقوم على الاستباقية، وتفكيك البيئات الفكرية والاجتماعية المنتجة للتطرف، وربط الإرهاب بشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
اللافت في هذه المقاربة أن واشنطن لم تعد تنظر إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها حرباً تقليدية ضد تنظيمات محددة، بل كمعركة مفتوحة ضد منظومات كاملة من التمويل، والأيديولوجيا، والشبكات العابرة للدول. ولهذا، فإن سمة المرحلة المقبلة تبدو قائمة على التدخل السريع، والقدرة على تنفيذ عمليات مباشرة دون قيود بيروقراطية معقدة، سواء عبر حملات عسكرية قصيرة ومكثفة، أو من خلال الاغتيالات، والعمليات الخاصة، والحرب السيبرانية المستمرة.
حتى الحلفاء الأوروبيون لم يكونوا بعيدين عن الانتقادات الأمريكية. فالاستراتيجية الجديدة تتعامل مع أوروبا باعتبارها إحدى البيئات التي فشلت في بناء نموذج فعال لمكافحة التطرف، نتيجة هشاشة السياسات الأمنية، والتعقيدات القانونية، والانقسامات السياسية والمجتمعية، وهو ما سمح للجماعات المتطرفة باستغلال المساحات المفتوحة داخل المجتمعات الأوروبية لإعادة بناء شبكاتها الفكرية والتنظيمية. ومن هنا، تدفع واشنطن باتجاه دور أوروبي أكثر صرامة، يقوم على رفع الإنفاق الأمني، وتشديد الرقابة، والانخراط المباشر في المواجهة.
لكن التحول الأهم يتمثل في أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد تفصل بين التنظيمات المسلحة والبيئات الأيديولوجية التي تنتجها. صحيح أن تنظيمي القاعدة وداعش، بما في ذلك “داعش خراسان” و”القاعدة في جزيرة العرب”، ما زالا يشكلان محوراً رئيسياً في العقيدة الأمنية الأمريكية، إلا أن التركيز بدأ ينتقل تدريجياً نحو الجذور الفكرية التي ساهمت في إنتاج النسخة الحديثة من الحركات الجهادية.
في هذا السياق، يظهر تنظيم الإخوان المسلمين باعتباره جزءاً من البنية الفكرية التي مهدت لتطور الأيديولوجيا الجهادية بصيغتها المعاصرة. ولهذا لم يعد الحديث يدور فقط حول تصنيف بعض فروع التنظيم كمنظمات إرهابية، بل حول مقاربة أشمل تستهدف البيئة الفكرية والثقافية التي ساهمت في إنتاج التطرف، باعتبار أن المواجهة الحقيقية لم تعد مرتبطة بالتنظيم وحده، بل بالعقيدة التي تمنحه القدرة على إعادة إنتاج نفسه.
ومن هنا تتوسع أدوات المواجهة لتشمل مراقبة الشبكات العابرة للدول، وتتبع التمويل، وتفكيك العلاقات بين الإرهاب والجريمة المنظمة، واستخدام مختلف الأدوات القانونية والأمنية للوصول إلى البنى المتداخلة التي تسمح لهذه التنظيمات بالاستمرار والعمل دولياً.
وفي هذا الإطار، يبرز السودان كأحد النماذج التي قد تستقطب اهتماماً متزايداً داخل المقاربة الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب، خصوصاً مع تنامي المخاوف المرتبطة بتداخل النشاط الأيديولوجي مع شبكات الاقتصاد غير المشروع والجريمة المنظمة. فالتطورات الأخيرة على الساحة السودانية، بما في ذلك تنامي نفوذ جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين داخل بعض المناطق الحيوية، والتقارير المتعلقة بمحاولات التمدد داخل شبكات تهريب الوقود والمخدرات، تعكس نموذجاً معقداً من التداخل بين الأيديولوجيا والتنظيمات غير الرسمية والاقتصاد الموازي. وهذا النوع من “التزاوج” بين البنية العقائدية والشبكات الإجرامية العابرة للحدود، يمثل تحديداً النموذج الذي تعتبره واشنطن أحد أخطر التهديدات الأمنية في المرحلة المقبلة. ومن هنا، قد يبقى الملف السوداني خاضعاً لقراءة أمنية أمريكية صارمة، تتجاوز البعد السياسي التقليدي، نحو التركيز على مخاطر تشكل بيئات حاضنة للتطرف، وارتباطها بالبنى العملياتية والمالية العابرة للحدود.
ورغم أن الاستراتيجية قسمت مناطق التهديد جغرافياً، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا، ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا، فإن إيران تبدو حاضرة في مختلف المسارات بوصفها العقدة المركزية التي تتقاطع عندها معظم التهديدات. فربط تجارة المخدرات بالإرهاب العالمي، وتوجيه اتهامات مباشرة لطهران بدعم الشبكات المسلحة، يجعل من إيران أكثر من مجرد ملف إقليمي؛ بل محوراً شاملاً تتداخل فيه ملفات الإرهاب، والتمويل، والميليشيات، والبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وحتى أمن الممرات البحرية.
ولهذا، لم يكن من المفاجئ أن تتوسع الاستراتيجية في الحديث عن البحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق هرمز، والحوثيين، باعتبار أن أمن الملاحة البحرية أصبح جزءاً مباشراً من معركة مكافحة الإرهاب، وليس مجرد ملف عسكري منفصل.
وبعيداً عن الاستنتاجات الضمنية، تضع الاستراتيجية الأمريكية إيران بشكل مباشر في قلب التهديد العالمي، من خلال تصنيفها كأكبر داعم للإرهاب، ومصدر رئيسي لتمويل وتسليح الميليشيات، إضافة إلى اعتبارها تهديداً نووياً مستمراً. وهذا يعكس أن العمليات ضد إيران لم تعد مرتبطة بمرحلة عسكرية مؤقتة، بل أصبحت جزءاً من تصور استراتيجي طويل المدى يتجاوز فكرة الاحتواء التقليدي.
الأخطر أن هذا التصور يوحي بأن الصراع لم يعد يتركز فقط على سلوك النظام الإيراني الحالي، بل على طبيعة النظام الذي يمكن أن يأتي بعده، وشكله الأيديولوجي والسياسي. بمعنى أن فكرة “تغيير السلوك” تبدو تدريجياً أقل حضوراً من فكرة إعادة تشكيل البيئة السياسية التي تنتج هذا السلوك أساساً.
ولهذا، فإن إيران التي تحاول العودة إلى مسار التفاوض، تجد نفسها في الوقت ذاته في قلب رؤية أمريكية أوسع بكثير من مجرد إدارة أزمة أو وقف حرب. فمعظم مسارات مكافحة الإرهاب الأمريكية تقود، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إيران، باعتبارها نقطة التقاطع بين الميليشيات العابرة للحدود، والتمويل، والأيديولوجيا المسلحة، والصراع على الممرات الاستراتيجية.
وعند هذه النقطة، لا تبدو الحرب على إيران مجرد مواجهة مع دولة، بل بداية إعادة تعريف أمريكية شاملة لمفهوم التهديد العالمي نفسه؛ حيث تختلط الأيديولوجيا بالإرهاب، والجريمة المنظمة بالصراع الجيوسياسي، لتتحول مكافحة الإرهاب من أداة أمنية تقليدية إلى عقيدة استراتيجية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي.
د.عامر السبايلة
