تمثل استراتيجية “حصار الحصار” التي تحدث عنها الرئيس دونالد ترامب، عملياً، التحول الأكثر حسماً في إدارة المواجهة مع النظام الإيراني، إذ تعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى تفكيك القدرة على الصمود من الداخل.
هذا التحول لم يكن ليحدث دون ما يمكن وصفه بـ“حرب الأربعين يوماً”، التي استهدفت بشكل مباشر البنية التحتية العسكرية الإيرانية، في شقيها الهجومي والدفاعي، مع تركيز خاص على القدرات البحرية. وبهذا، فقدت طهران تدريجياً إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية: التهديد بإغلاق مضيق هرمز. هذه الورقة، التي شكلت لعقود عنصر ردع، تحولت اليوم إلى عبء استراتيجي، حيث بات المضيق نفسه جزءاً من منظومة الخنق الأمريكية.
غير أن جوهر الاستراتيجية الأمريكية لا يكمن في الحصار الاقتصادي التقليدي، بل في بناء أزمة مركبة متعددة الطبقات. فواشنطن تعمل على تفكيك التوازن الداخلي الإيراني عبر دمج الضغط الاقتصادي مع التأثيرات الاجتماعية والسياسية والأمنية. “تنشيف” الموارد المالية في مرحلة ما بعد الحرب، لا يعني فقط تراجعاً اقتصادياً، بل يفتح الباب أمام أزمة مجتمعية شاملة، يصبح فيها النظام عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من الخدمات، من الرواتب إلى الطاقة، وصولاً إلى التحكم في تدفق الإنترنت.
وهنا يكمن التحول الأخطر: انتقال الاحتجاجات من طابعها السياسي إلى طابعها المطلبي الواسع، وهو النوع الأكثر استدامة والأصعب احتواءً. فعندما تتعدد دوافع الاحتجاج وتتشابك، يفقد النظام قدرته على تفكيكها أو احتوائها عبر أدواته التقليدية.
في هذه المرحلة، تكون الولايات المتحدة قد نجحت في سحب أهم أوراق إيران: عامل الوقت. فبدلاً من أن يكون الزمن أداة للمناورة، يتحول إلى عنصر استنزاف داخلي. وهذا ما يفسر السلوك الإيراني الأخير، من البحث المتكرر عن وسطاء، من سلطنة عُمان إلى موسكو، إلى تقديم عروض تفاوضية جزئية، في مقابل رد أمريكي بارد يعكس قناعة بأن مسار الضغط بدأ يؤتي ثماره.
الأداة الأكثر حسماً في هذه الاستراتيجية تظهر في الدور المتصاعد لوزارة الخزانة الأمريكية، التي انتقلت من فرض العقوبات إلى إدارة “حرب مالية شاملة”. لم يعد الحديث عن “اقتصاد ملحمي” مجرد توصيف سياسي، بل واقع عملي يترجم عبر استهداف دقيق للبنوك المتعاملة مع النفط الإيراني، بما في ذلك مؤسسات مالية آسيوية، وتتبع شبكات “اقتصاد الظل” المرتبطة بالعملات المشفرة. الهدف هو الوصول إلى شلل مالي كامل، في لحظة يحتاج فيها النظام إلى السيولة لإعادة تثبيت سيطرته الداخلية.
بالتوازي مع ذلك، برز ما يمكن تسميته بـ“البعد البحري للحصار”، من خلال إطلاق مشروع “الحرية”، الذي يهدف إلى تأمين الملاحة الدولية وضمان خروج السفن العالقة في مضيق هرمز. هذا التحرك، الذي قُدِّم بغطاء إنساني وبدعم دولي متزايد، لا يعيد فقط تنظيم حركة التجارة، بل يسحب فعلياً من إيران ورقة التحكم بالممر البحري. ومع دخول قوى دولية على خط التأمين البحري، تتكرس معادلة جديدة تعيد تعريف السيطرة على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
انعكاسات هذا التحرك لم تقتصر على الخارج، بل سرّعت من التصدعات داخل البنية الإيرانية. إذ بات واضحاً وجود انقسام داخلي بين تيار يسعى إلى إعادة فتح قنوات التفاوض وتقديم مبادرات متكررة، وتيار آخر يدفع نحو التصعيد والهروب إلى الأمام عبر إعادة إنتاج المواجهة. هذا الصراع لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل صراعاً على بقاء النظام وشكل المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولات التصعيد الإيراني في الإقليم، بما في ذلك استهداف مصالح في الخليج، كجزء من استراتيجية الهروب من الاستحقاقات الداخلية. فإعادة توسيع دائرة التوتر، سواء عبر تهديد ناقلات النفط أو استهداف البنى التحتية، تمثل محاولة لفرض واقع تفاوضي جديد. غير أن هذا المسار يضع المنطقة أمام معادلة خطرة، حيث يصبح الرد حتمياً، وتتقلص مساحة الاحتواء.
داخلياً، تتقاطع الأزمات داخل إيران بشكل غير مسبوق. سياسياً، يبرز غياب مركز قرار قادر على الحسم أو إنتاج تسويات، وهو ما يعكس أزمة بنيوية في آلية اتخاذ القرار. اقتصادياً ومجتمعياً، تتجه المؤشرات نحو بيئة قابلة للانفجار، حيث يتحول الضغط المعيشي إلى تهديد أمني مباشر، خاصة مع تزايد الحديث عن دعم خارجي محتمل للمعارضة.
في المقابل، لا يزال العامل العسكري حاضراً كخيار قائم. فالجاهزية الأمريكية، كماً ونوعاً، تعكس عقيدة قائمة على استخدام فائض القوة لفرض شروط التسوية. من حاملات الطائرات إلى القدرات الصاروخية، تبدو البنية العسكرية جاهزة لإعادة التفعيل عند الحاجة.
الرئيس دونالد ترامب، الذي أنهى مهلة الستين يوماً بفرض وقف لإطلاق النار، يحتفظ بهامش واسع لإعادة التصعيد، خاصة في ظل استمرار القلق المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني ومخزوناته.
هنا تتبلور معادلة الصراع بوضوح: لم تعد الحرب الخيار الأول، لكنها لم تعد ضرورية بالشكل التقليدي. فواشنطن تعيد تعريف النصر، ليس عبر إسقاط النظام عسكرياً، بل عبر دفعه إلى نقطة العجز الداخلي.
السيناريوهات تبدو محددة:
إما أن ينجح “حصار الحصار” في فرض تنازلات استراتيجية عميقة تحت ضغط داخلي متصاعد،
أو أن يقود هذا الضغط إلى تفكك تدريجي يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
وفي كلا الحالتين، تكون نقطة التحول قد تحققت:
لم تعد إيران تدير الأزمة… بل أصبحت هي الأزمة نفسها.
د. عامر السبايلة
