وقف الحرب ليس نهاية… بل بداية إعادة تشكيل إيران من الداخل

27/4/2026

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، لم يكن الهدف الإيراني تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إدارة كلفة الصراع ورفعها على الاقتصاد الدولي والبيئة الإقليمية، بما يفرض وقف الحرب لا حسمها. غير أن ما لم تدركه طهران مبكراً هو أن مسار الصراع ذاته كان يعاد تعريفه: لم يعد الهدف كسر إيران عسكرياً، بل إعادة تشكيلها سياسياً من الداخل.

على امتداد ما يقارب الأربعين يوماً من الاستهدافات المكثفة، تعرضت البنية الصناعية والدفاعية والعسكرية الإيرانية لضربات عميقة، طالت كذلك القيادات الأمنية ومراكز القرار الداخلي. وفي هذا السياق، جاء الانتقال إلى المفاوضات كخيار إيراني يهدف إلى تثبيت “وقف الحرب” واحتواء سيناريو التدمير الشامل الذي لوّح به الرئيس دونالد ترامب، لا كمدخل لتسوية نهائية.

غير أن هذا الانتقال لم يكن سلساً. فقد تزامن مع حالة ارتباك داخلي عكست تعدد مراكز القوى، وتراجع حضور المرجعية الحاسمة، إلى جانب مؤشرات على غياب فعلي في مركز القرار، بل وحتى غياب رمزي للدور الذي يفترض أن يشغله المرشد كمرجعية عليا ممثلة لرمزية “الإمام الغائب”. هذا المشهد أوجد فراغاً سياسياً غير مسبوق، لكنه لم يؤدِّ إلى انهيار شكل النظام، بل أعاد إنتاجه في صيغة جديدة: بنية ظاهرها الحفاظ على الإطار المؤسسي، وجوهرها انتقال فعلي ومتسارع للسلطة نحو منظومة الحرس الثوري، التي أصبحت تمسك بمفاصل القرار الحيوي في لحظة شديدة الحساسية.

بالتوازي، انتقلت الأزمة من بعدها الأمني إلى مستواها السياسي، حيث برز السؤال الحاسم: من يملك قرار التفاوض؟ ومن يحدد سقوف التنازل؟ عملياً، أدى غياب الإجابة إلى حالة من التعطيل والتعثر، عكست عجز النظام عن إنتاج قرار استراتيجي موحد.

لكن هذا التعثر لم يخلق فراغاً، بل استدعى استجابة أمريكية مختلفة. فبدلاً من الاستمرار في المواجهة المباشرة، تم الانتقال إلى استراتيجية الحصار، عبر استهداف الموانئ الإيرانية وتقييد حركتها. هذه الخطوة لا تستهدف الاقتصاد فحسب، بل تنقل الصراع إلى الداخل الإيراني بكل أبعاده: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بما يهيئ بيئة داخلية قابلة للاهتزاز، ويفتح المجال أمام عمليات إضعاف تدريجي وتوسيع النشاط الاستخباري.

في الوقت ذاته، أدى وقف الحرب إلى تحييد إحدى أهم أدوات الضغط الإيرانية، وهي القدرة على استهداف المحيط الإقليمي، ما خفف العبء عن الولايات المتحدة، وأعاد توزيع الضغط باتجاه الداخل الإيراني. كما تم تدويل ملف مضيق هرمز، ليخرج من كونه ورقة إيرانية إلى ملف دولي، يخضع لتوازنات القوى الكبرى، لا لقرار طهران وحدها.

في الداخل، تصاعد خطاب “الوحدة الوطنية” في محاولة لاحتواء تداعيات الحصار والتنشيف المالي، الذي يُفرض بكلفة منخفضة نسبياً على الولايات المتحدة. في المقابل، تتزايد مؤشرات الاستعداد الأمريكي–الإسرائيلي لمرحلة أكثر تعقيداً، لا تقوم على الحرب المباشرة، بل على إضعاف الداخل وتهيئة الظروف لعمليات نوعية.

وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: وقف الحرب، الذي سعت إليه إيران كإنجاز، تحوّل إلى أداة ضدها. فالعقد التي تعطل الوصول إلى اتفاق — من الملف النووي إلى نقل اليورانيوم، وصولاً إلى الترسانة الباليستية والطائرات المسيّرة — لم تعد هي جوهر المشكلة، بل أصبحت واجهتها. أما الحقيقة الأعمق، فهي أن الصراع لم يعد يستهدف سلوك إيران، بل يسعى إلى إعادة تعريف طبيعة نظامها.

بناءً على ذلك، فإن الجمع بين وقف الحرب وفرض الحصار لا يمثل مرحلة انتقالية، بل يشكل في جوهره إفشالاً للاستراتيجية الإيرانية. وما يتبلور اليوم قد يقود إلى أزمة سياسية عميقة وأزمة اقتصادية مركبة يصعب احتواؤها، بالتوازي مع احتمالات تصاعد العمليات النوعية داخل إيران، وربما موجة اغتيالات تستهدف مراكز قوى لا تزال تعرقل الوصول إلى تسوية.

وخلال الأشهر المقبلة، قد لا يظهر أثر هذه الاستراتيجية في توازنات الخارج بقدر ما سيتجلى في شكل الصراع داخل إيران نفسه، حيث تتحول الضغوط المتراكمة إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل المشهد الداخلي.

في المحصلة، لم تعد المعركة تدور حول إنهاء الحرب، بل حول إعادة تعريفها. فـ“وقفها” لم يعد نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر هدوءاً في ظاهرها، وأكثر عمقاً وخطورة في جوهرها.

د. عامر السبايلة