من تقطيع الساحات إلى هندسة الإقليم الجديد

 




21/4/2026

عملية تقطيع الساحات عسكرياً، التي امتدت على مدار السنتين والنصف الماضيتين بهدف إنهاء نموذج "وحدة الساحات"، انتهت منطقياً بمواجهة فُرضت على إيران في الداخل، وكأن المسار كلّه كان يتحرك باتجاه نقل مركز الاشتباك من الأطراف إلى القلب الإيراني نفسه. فإيران، التي بنت عناصر قوتها على توظيف الجغرافيا المحاذية لإسرائيل، وعلى الاستثمار في جغرافيات النفوذ من العراق إلى اليمن ولبنان، وجدت نفسها للمرة الأولى في مواجهة حرب تستهدف بنيتها الداخلية، لا أدواتها الخارجية فقط.

منذ مقتل إبراهيم رئيسي، كان مسار التحولات داخل إيران يشير إلى هذا الاتجاه. الاغتيالات، والتصفيات، وضرب الحلفاء والوكلاء، واحتواء النفوذ الإقليمي، لم تكن أحداثاً منفصلة، بل حلقات متدرجة في مسار انتهى إلى حرب الأربعين يوماً، التي لم تستهدف فقط القدرات العسكرية أو الدفاعية، بل طالت رمزية النظام نفسه، وبنيته الأمنية، وصناعاته الثقيلة، ومفاصل بنيته التحتية، بما جعل الحرب أقرب إلى عملية إعادة تشكيل لموازين القوة، لا مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.

في هذا السياق، بدا تهديد الرئيس ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري" جزءاً من معادلة ضغط قصوى، جعلت المفاوضات تظهر ليس كمسار سياسي طبيعي، بل كمخرج اضطراري لتفادي سيناريو الانهيار. ومن هنا جاء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، والتهديد بمعاقبة البنوك المتعاملة مع طهران، بما فيها الصينية، كمرحلة أكثر تقدماً في فرض شروط الإخضاع. وحتى لو لم تتبلور صورة نصر استراتيجي حاسم بالمعنى التقليدي، فإن المؤشرات توحي بأن التماهي الإيراني مع المطالب الأمريكية سيتكشف تدريجياً، سواء في مضيق هرمز، أو الملف النووي، أو سياسات دعم الوكلاء، أو منظومتها الصاروخية والبالستية.

لكن الأهم أن هذا المسار لم يكن يتعلق بإيران وحدها، بل كان جزءاً من تصور أوسع لإعادة هندسة الإقليم. وهنا تبرز دلالة الفصل الأمريكي المتعمد بين جبهة إيران وجبهة لبنان. فإصرار ترامب على عدم ربط الهدنة مع إيران بوقف إطلاق النار في لبنان لم يكن تفصيلاً تكتيكياً، بل تعبيراً عن استراتيجية تقوم على تفكيك ترابط الجبهات سياسياً، بعد تفكيكها عسكرياً.

ولذلك لم يكن صدفة أن تنفذ إسرائيل، بعد وقف إطلاق النار مباشرة، عملية نوعية استهدفت أكثر من 120 هدفاً لحزب الله خلال دقائق، بالتوازي مع استمرار التوسع الميداني في الداخل اللبناني. الرسالة هنا لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً: لبنان لم يعد يُدار ضمن معادلة الاشتباك الإيرانية، بل يجري التعامل معه كساحة مستقلة ضمن ترتيبات جديدة.

من هنا يكتسب الإصرار الأمريكي على تمرير وقف إطلاق النار عبر بوابة الدولة اللبنانية دلالته الأعمق. فاللقاء الذي رعاه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وما تلاه من فرض عنوان منع استهداف لبنان، لم يكن مجرد تثبيت تهدئة، بل خطوة في إعادة تعريف المرجعية السياسية والأمنية في لبنان. بمعنى آخر، واشنطن لا تسعى فقط إلى احتواء حزب الله، بل إلى نقل التعامل مع نفوذ إيران من مستوى الاشتباك مع طهران، إلى مستوى إدارة هذا النفوذ عبر الدولة اللبنانية نفسها.

وهنا تتجلى النقلة الأخطر: الانتقال من تقطيع الساحات إلى عزل إيران سياسياً عن ساحاتها. وهذا ليس احتواءً عسكرياً فقط، بل تفكيكاً تدريجياً لأوراق النفوذ الإيراني الإقليمي، بحيث تتحول الساحات التي كانت أدوات ضغط إيرانية إلى ملفات تُدار وفق ترتيبات أمريكية منفصلة. وهذا ما يجعل لبنان اليوم أحد أبرز ميادين اختبار هذا التحول.

ضمن هذا السياق، لا يبدو إحياء مسار السلام الإقليمي منفصلاً عن هذه الهندسة الجديدة. بل ربما يكون جزءاً من استثمار نتائج الحرب. فما بدأ مع سوريا، قد يمتد إلى دفع التسوية اللبنانية الإسرائيلية إلى الواجهة، ليس بوصفها ملفاً تفاوضياً تقليدياً، بل كجزء من إعادة بناء الإقليم وفق معادلات ما بعد احتواء إيران.

أما داخل إيران نفسها، فالتحدي الحقيقي قد يبدأ بعد الحرب، لا خلالها. لأن التفاهمات الأولية، حتى لو ضمنت جزءاً من المطالب الأمريكية في النووي والقدرات العسكرية والسياسات الإقليمية، لا تعني أن الأزمة الإيرانية انتهت. بل ربما انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة: الداخل الإيراني نفسه.

فهنا لا تبدو التهديدات مقتصرة على الاختراقات الاستخبارية أو احتمالات التحركات الداخلية، بل تمتد إلى مأزق أعمق يتعلق بقدرة النظام على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط، وتحت تأثير سطوة أمريكية متزايدة على القرار الإيراني. وهذا ما يجعل أخطر ما تواجهه طهران اليوم ليس نتائج الحرب، بل شكل إيران الذي قد يولد بعدها.

لأن ما يجري، في جوهره، قد لا يكون مجرد احتواء لإيران، بل محاولة لإعادة تعريف موقعها، وإعادة هندسة الإقليم كله من حولها.

د.عامر السبايلة