ما بعد وحدة الساحات: مشروع عزل إيران

 



19/4/2026

لم تعد المسألة تتعلق فقط بضرب نموذج "وحدة الساحات"، بل بما تلا ذلك من انتقال مدروس نحو استهداف مركز هذا النموذج: إيران نفسها. فعملية تقطيع الساحات، التي امتدت على مدار السنتين والنصف الماضيتين، لم تكن مجرد تفكيك عسكري للجبهات المرتبطة بطهران، بل مساراً انتهى إلى فرض مواجهة داخل العمق الإيراني، ونقل الاشتباك من الأطراف إلى المركز، بما حمل دلالة واضحة على أن الهدف تجاوز إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل معادلاته.

إيران، التي بنت جزءاً أساسياً من قوتها على توظيف الجغرافيا المحاذية لإسرائيل، وعلى إدارة نفوذها عبر العراق واليمن ولبنان، وجدت نفسها أمام واقع مختلف. فمنذ مقتل إبراهيم رئيسي، بدا أن مسار الضغط يتصاعد تدريجياً، من الاغتيالات والتصفيات، إلى ضرب الحلفاء والوكلاء، وصولاً إلى حرب الأربعين يوماً، التي تجاوزت استهداف القدرات العسكرية لتطال رمزية النظام، ومفاصل بنيته الأمنية والدفاعية، والبنية التحتية، بما أوحى أن الهدف لم يعد الاحتواء فقط، بل إعادة تشكيل موقع إيران نفسه داخل الإقليم، وتقليص قدرتها على استخدام أدوات الردع التي بنت عليها استراتيجيتها لعقود.

في هذا السياق، لم تكن المفاوضات منفصلة عن معادلة الضغط. فتهديد الرئيس ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، ثم الحصار البحري على موانئها، والتهديد بمعاقبة البنوك المتعاملة معها، بما فيها الصينية، كلها أدوات بدت جزءاً من فرض شروط جديدة على طهران. وحتى إن لم تتبلور صورة نصر حاسم، فإن المؤشرات تشير إلى أن التغيير يجري فرضه تدريجياً، سواء في الملف النووي، أو مضيق هرمز، أو سياسات الوكلاء، أو القدرات الصاروخية، بما يعكس انتقال الضغط من الردع إلى إعادة صياغة السلوك الإيراني، وليس فقط احتواءه.

لكن التحول الأهم لم يكن في إيران وحدها، بل في ما رافق ذلك من إعادة هندسة العلاقة بين الجبهات. وهنا تظهر دلالة الفصل الأمريكي المتعمد بين إيران ولبنان. فإصرار واشنطن على عدم ربط التهدئة مع إيران بوقف إطلاق النار في لبنان، لم يكن تفصيلاً، بل تعبيراً عن استراتيجية تقوم على فصل الجبهات سياسياً بعد تقطيعها عسكرياً، بما يمنع إعادة إنتاج الترابط الذي شكل جوهر استراتيجية إيران الإقليمية.

لبنان هنا يبدو النموذج الأوضح. فالإصرار الأمريكي على تمرير وقف إطلاق النار عبر الدولة اللبنانية، وربطه بمسار سياسي يتجاوز منطق الاشتباك، يعكس اتجاهاً للتعامل مع نفوذ إيران عبر الدولة اللبنانية، لا عبر طهران. وهذه ليست مجرد إدارة أزمة، بل بداية عزل سياسي لإيران عن إحدى أهم ساحات نفوذها، وربما النموذج القابل للتكرار في ساحات أخرى والذي طبق بصيغة مشابهة في غزة عبر فكرة مرجعية "مجلس السلام".

المسألة، بهذا المعنى، لم تعد احتواءً عسكرياً لإيران، بل تجريداً تدريجياً لأوراق نفوذها الإقليمي. وهذا ما يفسر الربط بين هذا المسار، وبين إعادة تفعيل ملف السلام الإقليمي. فما يجري لا يبدو منفصلاً عن رؤية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب الإقليم، تبدأ بعزل إيران، ولا تنتهي عند الدفع بملفات التسوية، بما فيها احتمال تحريك المسار اللبناني الإسرائيلي.

أما داخل إيران، فقد تكون المرحلة الأصعب لم تبدأ بعد. لأن ما بعد الحرب لا يبدو أقل خطورة من الحرب نفسها. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة الضغوط الخارجية، بل في إدارة واقع داخلي يزداد هشاشة، في ظل اختراقات أمنية، وضغوط اقتصادية، واحتمالات تحولات داخلية قد تجعل التهديد الحقيقي أمام النظام ليس ما فرضته الحرب، بل ما قد تفرضه نتائجها.

لهذا، ما يجري يتجاوز فكرة احتواء إيران، إلى محاولة إعادة تعريف دورها، وعزلها سياسياً عن الإقليم، تمهيداً لإعادة هندسة توازناته من جديد. وهذا، ربما، هو جوهر المرحلة، بل بداية انتقال استراتيجي قد يعيد رسم شكل الإقليم كله من الاحتواء العسكري الى العزل السياسي.

د. عامر السبايلة