مقامرة الزمن: كيف تتحول إيران إلى ساحة ضغط داخلي

 



6/4/2026

ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد صراعاً يُقاس بحجم الضربات، بل بإدارة الزمن. نحن أمام “مقامرة زمنية” مكتملة الأركان: تراهن طهران على أن إطالة أمد الأزمة ستنقل الضغط إلى الداخل الأمريكي، بينما يسابق دونالد ترامب الوقت لتحقيق إنجاز قبل أن يتحول عامل الزمن إلى عبء سياسي عليه.
بهذا المعنى، فإن ما يُسمّى “ساعة الصفر” ليس لحظة حسم، بل بداية مسار أكثر قسوة وتعقيداً.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة الانتقال إلى استهداف العمق الحيوي الإيراني كتصعيد عشوائي، بل كنتيجة مباشرة لتعثر المسار التفاوضي. هنا يبدأ التحول الحقيقي: من محاولة تغيير السلوك، إلى فرض واقع داخلي جديد يقوم على تفكيك بنية الدولة من الداخل.

هذا المسار يتحرك وفق تدرج محسوب. يبدأ بضرب البنية العسكرية ومخازن الصواريخ، ثم ينتقل إلى الصناعات الدفاعية، بالتوازي مع عمليات تصفية تستهدف مراكز القرار والعقول المنتجة للقدرة العسكرية. الهدف لم يعد مجرد إضعاف إيران، بل إنهاء قدرتها على إعادة إنتاج نفسها عسكرياً على المدى البعيد.

وفي مرحلة أكثر عمقاً، يمتد الاستهداف إلى البنية الصناعية نفسها: الفولاذ، الألمنيوم، والكيماويات. هنا لا تُستهدف المصانع كأهداف اقتصادية، بل كأعمدة تغذية للقدرة العسكرية، في محاولة لقطع الشريان الذي يسمح بإعادة البناء أو تبني سيناريوهات غير تقليدية في أي مواجهة لاحقة.

لكن الوصول إلى استهداف المنشآت الحيوية يحمل دلالة أخطر. فهو إعلان غير مباشر عن فشل تغيير السلوك، والانتقال إلى خلق بيئة داخلية ضاغطة. وهو ما يفسر تصريح الرئيس ترامب بعد استهداف جزيرة خرج، حين أشار إلى أن الضربة طالت المنشآت العسكرية فقط “وليس النفطية التي قد نحتاجها لاحقاً”.
هذه ليست ملاحظة عابرة، بل تعبير عن منهجية واضحة:
تجريد عسكري… ثم صناعي… ثم اقتصادي… قبل الوصول إلى الضغط المباشر على الداخل.

ضمن هذا المسار، يصبح استهداف البنية التحتية — الجسور ومحاور الربط، خصوصاً بين كرج وطهران — مؤشراً على الانتقال إلى مرحلة “تقطيع الأوصال”. الهدف ليس التدمير بحد ذاته، بل عزل المناطق، تعطيل الحركة، وإضعاف القدرة على المناورة، تمهيداً لخلق بيئة عملياتية مجزأة يسهل اختراقها بعمليات نوعية أو تدخلات محدودة.
هنا، لا تُدار الحرب على الجغرافيا… بل يُعاد رسمها.

بالتوازي، يتحرك هدف استراتيجي لا يقل أهمية: تجريد إيران من ورقة الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمزفالتصريحات الأمريكية التي تقلل من أهمية المضيق، إلى جانب الحديث عن وفرة النفط، تعكس محاولة واضحة لنزع سلاح الطاقة من يد طهران.

وفي هذا السياق، يتقاطع المسار العسكري مع معضلة سياسية حقيقية:
إما أن يبقى التهديد أداة ضغط، أو أن يتحول إلى واقع عملياتي عبر محاولة السيطرة على المضيق — ولو جزئياً — كنقطة يمكن البناء عليها لإعلان “إنجاز استراتيجي”.

لكن المفارقة أن هذه الورقة، رغم أهميتها، تحمل حدودها في داخلها. فالتصعيد في مضيق هرمز  لا يضر الولايات المتحدة فقط، بل يضرب الاقتصاد العالمي بأكمله، ما يدفع تدريجياً نحو تدويل الأزمة. ومع تعمق أزمات الطاقة وسلاسل التوريد، يصبح التدخل الدولي أكثر احتمالاً، وتفقد إيران تدريجياً قدرتها على احتكار هذه الورقة.

كما أن أي منظومة دولية لحماية الملاحة — حتى لو بدأت بطابع دفاعي — ستتحول تدريجياً إلى صيغة هجومية، لأن حماية السفن تعني بالضرورة استهداف مصدر التهديد. وهنا تتحول إيران من لاعب ضاغط إلى هدف مباشر. ومع تصاعد الضغط على الاقتصادات الأوروبية، فإن إطالة أمد الأزمة قد تدفع هذه الدول للبحث عن مظلة دولية لتأمين الملاحة، ما يعني عملياً تجريد إيران من قدرتها على التحكم بالمضيق، وتحويله إلى ملف دولي مفتوح.
وعند هذه النقطة، تكون طهران قد ساهمت — من حيث لا تريد — في خلق الغطاء الدولي الذي لم تنجح واشنطن سابقاً في فرضه.

في موازاة ذلك، لا يمكن قراءة التغييرات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية كإجراءات روتينية، بل كعملية إعادة ضبط للقرار، تهدف إلى تجاوز التردد الذي أعاق بعض العمليات سابقاً. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حساسية، خاصة مع الحديث عن “أسابيع حاسمة”، قد تشهد استخدام أدوات نوعية: عمليات محدودة، قوات خاصة، أو حتى تمهيد لسيناريوهات برية.

وتدعم المؤشرات الميدانية هذا الاتجاه. فالقدرة على تنفيذ عمليات جوية منخفضة، وحوادث سقوط طيارين في مناطق معينة، ليست أحداثاً معزولة، بل إشارات إلى أن بعض المناطق بدأت تُهيأ فعلياً لعمليات عزل وتفريغ، تجعلها أكثر قابلية للتدخل المباشر في المرحلة القادمة.

في هذا المشهد، تبرز إسرائيل كلاعب يعمل تحت ضغط الزمن. فإطالة أمد الحرب تخدم هدفاً مركزياً لديها: تعميق تآكل الداخل الإيراني. لذلك تسعى إلى توسيع بنك الأهداف إلى أقصى حد ممكن، بحيث لا يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى البنية الحيوية والاقتصادية.

الهدف هنا ليس فقط إضعاف إيران، بل تركها — في حال توقف الحرب — أمام واقع داخلي كارثي يتجاوز فكرة الإنهاك، ليصل إلى حدود الانهيار. واقع يجد فيه أي نظام نفسه في مواجهة أزمات متراكمة، بقدرات محدودة، في ظل استمرار الاختراقات الأمنية والعمل الاستخباري داخل العمق الإيراني.

ومع ذلك، يبقى هذا التصعيد محكوماً بسقف واضح: تجنب الفوضى الشاملة. فلا الولايات المتحدة، ولا خصوم إيران، ولا حتى حلفاؤها، يرغبون في انهيار دولة بهذا الحجم في سيناريو انفلات كامل.
لهذا، تُدار الحرب بمنطق الإخضاع لا الإسقاط:
ضغط متدرج… تفكيك داخلي… وإعادة تشكيل بطيئة.

لكن مع ذلك، فإن الانتقال إلى استهداف البنية الحيوية — خصوصاً الطاقة — قد يدفع الصراع إلى حافة أكثر خطورة. فتعطيل محطات الكهرباء، على سبيل المثال، قد يتم عبر أدوات غير تدميرية، كالتقنيات الكهرومغناطيسية، بهدف شلّ الدولة دون تدميرها.

في المحصلة، لا تُخاض هذه الحرب لإسقاط إيران بضربة واحدة، بل لإجبارها على التحول تحت ضغط واقع داخلي قسري يُفرض عليها تدريجياً.
وعند تلك اللحظة، لن يكون السؤال من ربح الحرب
بل أي إيران ستبقى بعدها.

د. عامر السبايلة