ترامب وإيران: معركة كسر الحرب قبل كسر النظام


 25/3/2026

معركة الرئيس ترامب مع إيران ليست معركة عسكرية فقط، رغم أن المشهد الظاهر حتى الآن يبدو محكوماً بإيقاع الضربات والاستهدافات اليومية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن جوهر المواجهة مع طهران لا يختزل في تدمير القدرات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى معركة أكثر عمقاً تتعلق بكسر قدرة إيران على فرض وقف الحرب. فبالنسبة إلى طهران، ليست الأولوية فقط في امتصاص الضربات أو الرد عليها، بل في دفع الولايات المتحدة إلى التوقف، عبر رفع كلفة المواجهة وتوسيع أثرها إلى ما هو أبعد من ساحة القتال المباشرة.

من هنا جاء الرهان الإيراني على استخدام سوق الطاقة بوصفه السلاح الأكثر حساسية في هذه المرحلة. فطهران بنت جزءاً أساسياً من استراتيجيتها على فكرة تقصير عمر الحرب من خلال دفع الأسواق إلى حالة انفلات، سواء عبر استهداف دول الخليج، أو التلويح بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أو التهديد المباشر للبنية التحتية المرتبطة بإنتاج الطاقة ونقلها. لقد راهنت إيران على أن أي اضطراب كبير في أسعار النفط، أو أي شعور عالمي بخروج الأمور عن السيطرة، سيولد ضغطاً مباشراً على الرئيس ترامب، خصوصاً أن سوق الطاقة لا يتحرك فقط وفق الوقائع الميدانية، بل يتأثر بسرعة بالمناخ النفسي، وبالرسائل، وبالتصريحات، وبالانطباعات التي تصنعها الحرب.

لكن الواضح أن ترامب قرأ هذا المسار منذ البداية باعتباره جبهة موازية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية نفسها. ولهذا لم يتعامل مع ملف الطاقة بوصفه نتيجة للحرب، بل بوصفه جزءاً من إدارتها. ومن هنا يمكن فهم سلسلة الرسائل التي استخدمها في توقيت محسوب: الحديث عن الإفراج عن الاحتياطي النفطي الأمريكي، والتلميح إلى دور دول السبع، وإثارة احتمال تخفيف القيود على النفط الروسي، والحديث عن النفط الإيراني العائم وإمكانية ضخه في الأسواق، إضافة إلى ملف تأمين السفن في مضيق هرمز. لم تكن هذه المواقف مجرد تصريحات متفرقة، بل بدت كأنها جزء من عملية احتواء استباقية تهدف إلى منع طهران من تحويل التهديد إلى صدمة اقتصادية عالمية.

وعندما وصلت الأمور إلى نقطة التهديد الأمريكي والرد الإيراني بضرب محطات الطاقة خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، وفي توقيت بالغ الحساسية كانت فيه الأسواق تستعد للتفاعل مع هذا التصعيد، جاء حديث ترامب يوم الأحد عن هدنة جديدة لمدة خمسة أيام، وكأنه خطوة مدروسة بدقة شديدة. فهذه الهدنة لم تبدُ فقط محاولة سياسية أو مخرجاً تفاوضياً مؤقتاً، بل بدت أيضاً أداة لإدارة إيقاع السوق ومنعها من التفاعل العنيف مع التهديدات الإيرانية، وفي الوقت نفسه منح واشنطن هامشاً أوسع للتحضير لسيناريوهات مفتوحة. وفي مقدمة هذه السيناريوهات، احتمال الانتقال إلى عمليات نوعية داخل الجغرافيا الإيرانية، مع اكتمال وصول القوات الأمريكية إلى منطقة العمليات، سواء من خلال السيطرة على مواقع محددة، أو شواطئ، أو جزر إيرانية ذات أهمية استراتيجية عالية.

وفي الوقت نفسه، لم تتوقف عملية الاستهداف المنهجي للبنية التحتية العسكرية الإيرانية. فقد استمرت الضربات على مصانع السلاح، ومستودعات الصواريخ، والموانئ، والمطارات، ومراكز الحرس الثوري والباسيج، بالتزامن مع استمرار عمليات الاغتيال بوتيرة متواصلة. كما بدا واضحاً أن هناك جهداً مركزاً على مسح المنطقة المقابلة للجزر الإيرانية، وعلى ضرب الممرات والحدود البرية بين إيران والعراق، وبين إيران ومحيطها الشرقي، بما يوحي بأن المطلوب لم يعد فقط إنهاك إيران، بل وضعها داخل قفص عزلة عملياتي واستراتيجي كامل. هذه المعطيات تشير إلى تهيئة ظرف جديد قد يسبق مرحلة أكثر تقدماً، تنتقل فيها واشنطن من الضرب عن بعد إلى فرض وقائع مباشرة على الأرض، سواء عبر السيطرة على أماكن ذات قيمة استراتيجية، أو عبر تنفيذ عمليات داخلية نوعية تشمل التصفية، أو الخطف، أو حتى الوصول إلى أهداف شديدة الحساسية، من نوع وضع اليد على مواد أو منشآت مرتبطة باليورانيوم المخصب.

وضمن هذا المسار، لم يكن العمل العسكري وحده هو الأداة الحاسمة، بل إن أحد أهم أسس المواجهة تمثل في زرع الشك والتشكيك داخل المنظومة الإيرانية نفسها. فالاختراقات، والتصفيات، والاغتيالات، لا تضرب الأشخاص والمواقع فقط، بل تصيب في العمق آلية عمل النظام وقدرته على الثقة بنفسه. فهي تخلق داخل البنية الأمنية والسياسية حالة مستمرة من الفوضى والارتباك، وتدفع مراكز القرار إلى التردد، وإلى إعادة ترتيب القيادة، والبحث عن صيغ جديدة لاتخاذ القرار وتنفيذ الأوامر. وبهذا المعنى، يصبح الشلل الداخلي جزءاً من نتيجة الحرب، بل أحد أهدافها المباشرة، لأن نظاماً يعيش على الشك، ويعيد فحص دوائره وأجهزته باستمرار، هو نظام يفقد تدريجياً فعاليته وقدرته على المبادرة. وهذا تحديداً ما أتاح لإسرائيل في الأيام الأخيرة تسريع وتيرة الضربات، والدخول في سباق واضح مع الزمن لإنجاز أكبر قدر ممكن قبل الانتقال إلى مرحلة تالية.

وفي السياق نفسه، لا يمكن فصل الحديث الأمريكي عن إمكان التفاوض مع طرف إيراني يحظى باحترام داخلي وقادر على عقد صفقة عن هذه الاستراتيجية نفسها. فطرح اسم طرف محتمل من داخل النظام، وفتح باب الحديث عنه إعلامياً وسياسياً، حتى وإن كان من باب التسريب أو الإيحاء، لا يهدف فقط إلى اختبار خيار تفاوضي، بل يؤدي عملياً وظيفة أخرى لا تقل أهمية، وهي نقل مناخ الشك إلى الدائرة السياسية المتبقية داخل النظام. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تذهب بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الحديث مباشرة عن شخصيات مثل قاليباف. وبغض النظر عن مدى واقعية هذا الطرح، أو عن حقيقة قدرة أي اسم مطروح على التفاوض أو إبرام تفاهمات، فإن مجرد الإيحاء بأن واشنطن ربما قطعت شوطاً في التفاهم مع طرف إيراني محدد، هو بحد ذاته أداة ضغط نفسي وسياسي، تضرب ما تبقى من تماسك داخلي، وتفتح الباب أمام الشكوك المتبادلة داخل المؤسسة الإيرانية.

في المقابل، تعتمد إيران على توسيع أثر الحرب إلى أقصى حد ممكن خارج حدود الميدان المباشر. فهي لا تريد أن تظهر كطرف يتلقى الضربات فقط، بل كنظام ما زال قادراً على فرض الإيقاع، وتوسيع دائرة التهديد، وضرب النقاط الأكثر حساسية في الاستقرار الإقليمي. ولهذا بنت خطابها في هذه المرحلة على بروباغندا التهديد، وعلى رفع منسوب القلق الإقليمي والدولي، من خلال الإيحاء بالقدرة على استهداف مراكز ترتبط بالاستقرار المالي ومسارات الطاقة في المنطقة، مثل الإمارات، ومن خلال توجيه رسائل إلى الداخل تطلب الابتعاد عن الموانئ والمنشآت الحيوية. وهذا يعني أن طهران معنية قبل كل شيء بالحفاظ على صورة النظام الذي ما زال قادراً على التهديد والتنفيذ، والقادر على ضرب الاستقرار الإقليمي متى شاء.

ومن هنا، فإن السلوك الإيراني لا ينفصل عن محاولة ممنهجة لربط الحرب، منذ بدايتها، بتداعيات دولية واسعة. فالمواجهة من وجهة النظر الإيرانية لا يجب أن تبقى محصورة بينها وبين خصومها المباشرين، بل يجب أن تتحول إلى عبء عالمي. ولذلك تبدأ هذه المقاربة من تهديد دول الخليج، وتعظيم خطر الحرب على سوق الطاقة والملاحة الدولية، وتمتد إلى التلويح بمخاطر التسربات النووية، أو إلى إبراز القدرة على استخدام صواريخ بعيدة المدى، كما ظهر في الصواريخ التي أُطلقت باتجاه جزيرة غارسيا. فكل هذه الرسائل تندرج في محاولة واضحة لرفع كلفة الحرب على الجميع، ودفع المجتمع الدولي والأسواق الكبرى إلى الشعور بأن استمرارها لم يعد شأناً إقليمياً محدوداً، بل خطراً مفتوحاً على التوازن العالمي كله.

لكن بعد الأسبوع الثالث من الحرب، ومع تعاظم الحديث عن المفاوضات، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تنتقل إلى مستوى أعمق من الاستهداف داخل إيران. فالمسألة لم تعد مجرد توسيع الضربات أو مضاعفة الضغط العسكري، بل الذهاب إلى استهداف بنية النظام نفسها، وأدواته، ومنشآته العسكرية، بصورة شاملة ومنهجية. كما أن تسارع هذا المسار يعكس توجهاً واضحاً نحو مرحلة جديدة لا تكتفي فيها واشنطن بإضعاف إيران من الجو، بل تسعى إلى تحويل نتائج الضربات إلى معطيات ميدانية وسياسية تفرض على أي طرف داخلي إيراني التعامل مع التسوية الأمريكية باعتبارها الخيار الوحيد الممكن.

وفي موازاة ذلك، يجري عملياً إنتاج واقع إيراني جديد، يصبح معه من الصعب جداً أن يعود أي نظام لاحق إلى الصيغة التي انتهى إليها النظام الحالي. فالمسار القائم الآن لا يوحي بأن الهدف يقتصر على احتواء إيران أو ردعها مؤقتاً، بل يشير إلى هدف أكبر يتمثل في تحييدها بالكامل، وإنهاء قدرتها على التهديد، وتفكيك مقدراتها العسكرية، ودفع أي مستقبل إيراني لاحق إلى الانشغال بإعادة البناء الداخلي حصراً، بعيداً عن أي دور إقليمي أو وظيفة توسعية. وبهذا المعنى، فإن ما يجري لم يعد مجرد حرب على قدرات إيران، بل عملية أوسع لإعادة تعريف موقعها نفسه في الإقليم، وحدود ما يمكن أن تكون عليه في المرحلة المقبلة.

د.عامر السبايلة