بدأت الحرب على إيران بعنوانين واضحين: أمريكياً تحت اسم "الغضب الملحمي"، وإسرائيلياً تحت مسمى "زئير الأسد". وعلى خلاف الحروب السابقة، وضعت الإدارة الأمريكية نفسها هذه المرة في قلب المواجهة المباشرة. فقد طرح الرئيس دونالد ترامب تصوراً يقوم على إحداث تغيير جذري في إيران، لا يقتصر على إنهاء برنامجها النووي أو تدمير قدراتها الباليستية، بل يمتد إلى تغيير شكل القيادة الإيرانية نفسها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، سعت الإدارة الأمريكية إلى ترسيخ صورة الحسم، حتى لو استمرت المعركة لفترة طويلة. وقد اعتمدت في إدارة العمليات على التكثيف العملياتي باعتباره العامل الحاسم لتحقيق نصر استراتيجي. بدأ ذلك بعملية استخبارية نوعية استهدفت رأس النظام الإيراني، تلتها ضربات جوية مكثفة هدفت إلى تحييد منظومات الدفاع الجوي وفرض السيطرة الكاملة على المجال الجوي الإيراني.
ومع تثبيت هذه السيطرة، انتقلت العمليات إلى مرحلة أوسع تستهدف البنية التحتية الإيرانية، في مسار يهدف إلى إضعاف بنية النظام داخلياً عبر استهداف قدراته ومراكزه الحيوية، وتهيئة الظروف التي قد تسمح بإحداث تغيير في شكل النظام نفسه.
في المقابل، وجد الرد الإيراني نفسه أمام شح واضح في الخيارات، مع إدراك القيادة الإيرانية أن المواجهة دخلت مرحلة سباق وجودي مع الزمن. وفي هذا السياق، اختارت طهران ما يمكن وصفه بالخيار الأكثر خطورة: استراتيجية "نشر الفوضى".
تعتمد هذه الاستراتيجية على ضرب بيئات الاستقرار الإقليمي والدولي، بدءاً من دول الخليج باعتبارها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً ومرتبطة بشكل مباشر بأسواق الطاقة. وقد ظهر ذلك من خلال محاولات استهداف ناقلات النفط بعمليات محدودة ذات طابع تجريبي، تهدف إلى تضخيم التأثير الاقتصادي والإعلامي لهذه العمليات، وإيصال رسالة مفادها أن الحرب على إيران تعني اضطراباً واسعاً في الاقتصاد العالمي.
لكن التصعيد لم يتوقف عند هذا الحد. فقد توسعت دائرة التهديد لتشمل أهدافاً أخرى مثل قبرص، والقاعدة البريطانية هناك، إضافة إلى القاعدة الفرنسية في أبوظبي. كما ظهرت مؤشرات على محاولة توسيع نطاق التوتر نحو محيط إيران المباشر، بما في ذلك أذربيجان أو حتى تركيا، وهي دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع حلف شمال الأطلسي.
غير أن هذه الاستراتيجية أدت عملياً إلى نتيجة معاكسة لما سعت إليه إيران. فبدلاً من ردع المجتمع الدولي، ساهمت هذه التحركات في دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها والاقتراب أكثر من الرؤية الأمريكية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ترامب بدأ الحرب دون تحالف دولي واضح، إذ كان من شبه المستحيل الحصول على قرار من مجلس الأمن أو بناء تحالف دولي منسجم مع الرؤية الأمريكية قبل اندلاع العمليات. لكن مع توسع دائرة التهديد الإيراني، بدأت دول عديدة تتبنى مواقف أقرب إلى الموقف الأمريكي، سواء في إطار دفاعي أو هجومي، ما أدى عملياً إلى تشكل تحالف دولي بحكم الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، يواصل الرئيس ترامب التأكيد على أن الضربات العسكرية أعادت القدرات الإيرانية سنوات إلى الوراء، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب المفاوضات، ولكن ضمن السقوف والشروط التي حددتها واشنطن.
ومع استمرار التصعيد، تبقى احتمالات الانتقال إلى أشكال أخرى من المواجهة قائمة، بما في ذلك تفعيل الخلايا النائمة أو نقل الصراع إلى ساحات جديدة. لكن السؤال الأهم يبقى: ما هو التغيير المقبول أمريكياً في إيران؟
تشير مواقف الإدارة الأمريكية إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بسياسات النظام الإيراني، بل تمتد إلى البنية الأيديولوجية للنظام نفسه. لذلك فإن التغيير المطلوب لا يقتصر على تغيير القيادة، بل يتطلب تحولاً أعمق في طبيعة النظام.
وبهذا المعنى، فإن التغيير المقبول قد يأتي من داخل إيران، لكنه يرتبط بانتقال واضح من المرجعية الدينية إلى الدولة الوطنية، أي من الهوية الثيوقراطية إلى نظام سياسي وطني منشغل بإعادة بناء الدولة داخل حدوده الجغرافية، ويسعى إلى علاقات تشاركية متوازنة مع جيرانه بدلاً من سياسات التوسع وعدم الاستقرار التي ميزت المرحلة السابقة.
د.عامر السبايلة