فائض القوة: فلسفة ترامب في صناعة السلام

 



22/2/2026

عقد الرئيس ترامب اجتماعه الأول لما أطلق عليه «مجلس السلام»، في خطوة تتجاوز البعد الرمزي إلى إعادة تعريف مرجعية إدارة الصراعات الدولية. فمرجعية الحلول لم تعد تتموضع فقط داخل المؤسسات التقليدية، بل باتت تتمحور حول المجلس وشخص الرئيس نفسه. وعلى غير المعتاد، لم يهاجم ترامب الأمم المتحدة أو مؤسساتها بشكل مباشر، لكنه عملياً أعاد ضبط موقعها، واضعاً إياها في خانة الملتحق بخطواته التنفيذية، لا في موقع صانع القرار أو مرجعيته السياسية.

الحديث عن الصراع بين الهند وباكستان، وأرمينيا وأذربيجان، والاستفاضة في عرض ما قام به أو ينوي القيام به، لا يمكن قراءته كاستعراض دبلوماسي عابر، بل هو مؤشر واضح على أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تثبيت سياسة “المرجعية السياسية الأولى” في إدارة النزاعات، بصورة أكثر حزماً في المرحلة المقبلة.

أما غزة، فكانت المدخل الأساس لفكرة المجلس والعنوان الأبرز لانعقاده. جرى الحديث عن إعادة إعمار شاملة، تطوير عقاري وتكنولوجي، وإدماج غزة في منظومات اقتصادية ورياضية دولية. غير أن ما غاب عن الطرح هو الحلقة الأكثر تعقيداً: الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ.

تم التعامل مع مسألة نزع سلاح حماس وخروجها من حكم القطاع باعتبارها نقطة منتهية، بينما الواقع يشير إلى أن الحركة لا تزال تناور وترفض تسليم سلاحها. وهذا يعني أن إعادة الإعمار لن تكون مساراً تقنياً بحتاً، بل ستسبقها مرحلة إعادة تشكيل للواقع الأمني والسياسي، قد تكون أكثر تعقيداً مما يُعلن.

إسرائيل تدرك هذه المعضلة جيداً، ما يمنحها هامشاً واسعاً لإعادة التموضع وربما التصعيد، باعتبارها القوة العسكرية الوحيدة الفاعلة على الأرض. وهو ما يجعلها عملياً الذراع التنفيذي لأي رؤية دولية، إلى حين الوصول إلى لحظة نشر قوات دولية والانتقال الفعلي إلى إعادة الإعمار.

في موازاة ذلك، يتصاعد الحشد العسكري الأمريكي تجاه إيران بصورة تتجاوز الردع الوقائي إلى مستوى الاستعداد الهجومي. هذه الحشود لا تعكس فقط احتواء خطر محتمل، بل تشير إلى استعداد لمواجهة قد تمتد إلى كل ساحة تُستخدم كأداة نفوذ إيرانية — من العراق إلى اليمن، وربما أبعد إلى أفغانستان وممرات الملاحة الحيوية.

هنا تتضح الفكرة الجوهرية:
الإدارة الأمريكية ترى أن السلام يمكن أن يُفرض عبر فائض القوة.

السلام لا يُطرح كمحصلة تفاوض تقليدي، بل كنتيجة للاستعداد للحرب. نحن أمام محاولة لإعادة هندسة المشهد الإقليمي عبر أدوات ردعية ثقيلة، تتجاوز فكرة المواجهة الثنائية مع إيران، لتصل إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة في الإقليم بأكمله.

إذا كانت هذه القراءة دقيقة، فنحن أمام مرحلة لا تستهدف فقط إنهاء التهديدات العسكرية الإيرانية، بل إنهاء الأدبيات السياسية التي حكمت المنطقة منذ سقوط نظام صدام حسين: منطق الأذرع، الميليشيات، وتصدير النفوذ عبر إدارة الفوضى.

لكن هذا التحول قد لا يعني نهاية الصراع، بل ربما انتقاله إلى شكل جديد. فالتغيير الثقافي في المنطقة يبقى التحدي الأعقد، وهو في جوهره أصعب من أي تغيير عسكري أو سياسي. وكما هو معروف، موروث الصراع لا يُمحى بقرارات فوقية، ولا بخطط إعادة إعمار مهما بلغت كلفتها ولمع بريقها.

وهنا تكمن الإشكالية الأعمق:
يمكن إعادة تصميم البنية، تعديل الدساتير، إعادة رسم المؤسسات، وتغيير الشعارات. لكن الثقافة السياسية التي تعيش على منطق الصراع، والتي اعتادت توظيف السلاح والميليشيا كأدوات نفوذ، لا تتغير بقرارات شكلية ولا بإعادة هندسة خارجية.

فالمشكلة في المنطقة ليست دائماً في شكل النظام، بل في الثقافة التي تُنتجه وتعيد إنتاجه. وإذا لم يحدث التحول على هذا المستوى العميق، فإن أي تغيير بنيوي سيبقى عرضة لأن يُعاد تدويره في صيغة جديدة تعيد إنتاج الأزمات بأسماء مختلفة.

السلام الذي يُطرح اليوم لا يقتصر على الاقتصاد أو التطوير العمراني، بل يستهدف إنهاء نموذج السلاح المنفلت، وكسر فكرة الميليشيا كأداة سياسية، وإعادة تعريف مفهوم الدولة. غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع ثقافي متراكم يصعب تغييره عبر فائض القوة وحده.

السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل المنطقة مهيأة فعلاً لهذا الانتقال؟
أم أننا أمام محاولة لتسريع التغيير بقوة السلاح؟

فالصراع في الشرق الأوسط قد لا ينتهي بسهولة، بل قد يعيد إنتاج نفسه بأشكال وأدوات وأماكن جديدة. وأي مشروع لإعادة هندسة المشهد سيظل محفوفاً بمخاطر الهزات الارتدادية.

مع ذلك، يبدو أن المسار المرسوم أمريكياً هو المسار المفروض حالياً على الجميع. والتعامل معه لا يكون بالمواجهة الانفعالية، ولا بالاندفاع غير المحسوب، بل برؤية متوازنة واستباقية، ودبلوماسية مرنة قادرة على صناعة موقع داخل الواقع الجديد.

في النهاية، قد تكون الحكمة الأهم اليوم:
"
ليس المهم أن تركض سريعاً، بل أن تركض في الاتجاه الصحيح."

د. عامر السبايلة