Things to talk about 2026-02-18 18:01:00

 



المراجعات

التنوير الغائب وأزمة الشرعية في زمن التحولات الكبرى

 

المنطقة التي لم تعد تعرف ترف الاستقرار — وهنا لا نعني فقط غياب الحروب — بل غياب الاستقرار السيكولوجي وشعور الأمان لدى الكثيرين، وفقدان القدرة على التفكير في الغد، باتت تعيش حالة عجز عن التخطيط لمشاريع طويلة الأمد. فالشك يتسرب إلى النفس، والتشكيك يتحول إلى حالة عامة، والحروب تندلع في لحظات، والأنظمة تنهار في أيام، والخوف من القادم يسيطر على النفوس والعقول.

في ظل هذه الأجواء، من الطبيعي أن تنحسر داخل النفس البشرية أفكار الخلاص الفردي والأمان الشخصي، وأن يصبح التفكير بإجلاء الأبناء أملاً في نجاتهم من مشرق منكوب خياراً واقعياً. إنها ظاهرة الاستنزاف البشري وتصدير العقول الشابة، لتتحول إلى طاقات فاعلة في مجتمعات قادرة على احتواء الفرد ودمجه. ومع مرور الوقت، تتضاءل احتمالات العودة إلى الموطن الأصلي، خصوصاً في ظل تشكل مناخات طاردة تزداد انغلاقاً وتقوقعاً، حيث تغيب التعددية، وتتآكل قيمة الفرد، وتسود العقلية البطريركية وتتجذر، ويصبح رفض الآخر سمة بارزة، وتتلاشى مساحات الاختلاف والتنوع.

هذه المقدمة لا تهدف إلا للإشارة إلى النقطة الأهم: غياب المشاريع الفكرية والتنويرية، وتماهي المجتمعات مع ثقافة اللون الواحد، والقناعات التراثية التي ترسخت حتى آمن أصحابها بسيادتها، واعتقدوا بقدرتها على صبغ المجتمع بلون واحد. وهكذا أصبح خطاب التعميم في الشعبوية السياسية يلغي فكرة التعددية والاختلاف. وإذا كانت مجتمعاتنا قد عانت طويلاً من اغتصاب التمثيل السياسي، فإنها اليوم تعاني احتكار التمثيل الثقافي أيضاً، وإنهاء حالات التنوع المجتمعي، ووأد الأفكار التنويرية، ومطاردة أصحابها في تفاصيل حياتهم، ودفعهم إما إلى الهجرة بحثاً عن خلاص فردي، أو إلى الانزواء في زوايا مظلمة مهزومين بلا دور أو تأثير.

إن دخول المنطقة في أزمات مستمرة، وحروب قتلت العقول قبل الأجساد، ولوّثت الأفكار، وحرفت البوصلة عما تحتاجه مجتمعاتنا من تفاعل مجتمعي إيجابي وحركات فكرية تقود التطوير والانتقال، أدى إلى سيادة ثقافة الغيبيات والموروثات، التي ساهمت السلطة السياسية في إضفاء القدسية عليها وتحويلها إلى مرجعيات فكرية، وتجذيرها مجتمعياً كنموذج يسهل التعامل معه وضبطه وتوجيهه. إنها علاقة يمكن وصفها بـ"الزواج الكاثوليكي" بين السلطة المستبدة والموروث الديني والمجتمعي بصيغته التي صُممت لضمان بقاء الأنظمة، حتى تلك التي فقدت صلاحيتها، ولحصر السلطة في طبقة محددة، وتوزيع المكاسب والثروات ضمن دائرة ضيقة تزداد انكماشاً يوماً بعد يوم.

ورغم هذه المشهدية، ورغم أن الأولويات تنتهي غالباً عند فكرة إدارة الأزمات والعبور الآمن، يبقى من الضروري البحث عن صيغ للبقاء والبناء، والتفكير في المستقبل، ومنح الإنسان فرصة ليكون شريكاً في صناعة مصيره، وتحريره من حالة الاستعباد السياسي التي تفرض عليه نمط حياته وحدود تفكيره، وترسم له سقف طموحه وشكل وعيه. ومن هنا، فإن انتشال التنوير من دوائر الانهزامية هو عنوان أي معركة فكرية قادمة، ومحرك أي ثورة ثقافية مستقبلية.

الانتقال في مستوى التفكير بات حتمياً، والحاجة إلى نماذج فكرية جديدة لم تعد ترفاً. فالتنوير الغائب لا بد أن يحضر، وإعادة استنهاض الطبقة الفكرية المنعزلة، وإعادتها طوعاً إلى موقعها الطبيعي في إعادة رسم المجتمعات وترتيبها، هو الأساس القادم. فلا يمكن لطبقة محدودة، أقل انفتاحاً فكرياً وثقافياً، وأقل كفاءة سياسياً ومهنياً، أن تستمر في احتكار إدارة شؤون الإنسان. التفكير النخبوي الواعي هو الخلية الغائبة اليوم، وإخراجه من حالة الاعتزال، وإعادته إلى العقل المجتمعي، وتفعيله، هو المدخل الحقيقي لأي تغيير.

باختصار، الثورة الثقافية هي العنوان الذي ينبغي أن يتصدر مشهد المنطقة. الثورة الحقيقية ليست سياسية فقط، بل ثقافية أولاً. والمطلوب اليوم أن تبدأ عجلة التنوير بالدوران. وهو أمر بات أسهل مقارنة بحقبات سابقة؛ فالتكنولوجيا والأدوات متوفرة. ما نحتاجه هو استعادة الرغبة والإصرار على مواجهة سياسات التجهيل بسياسات التنوير.

ومع دخول العالم في أزمة تغيير كبرى، ودخول النظام الدولي في مخاض جديد، لن يخرج كما كان عليه. وهذا أمر طبيعي بعد أكثر من قرن على تشكل نظام ساد وفق معايير فقدت صلاحيتها. الفاعلية باتت العامل الغائب، ما يجعل التغيير حتمياً ومنطقياً. ومع القفزات التكنولوجية، وسيادة الثقافة الاستهلاكية، والبراغماتية الاقتصادية، والهزات الفكرية التي تضع كثيراً من المعتقدات موضع تساؤل، ستتشكل معايير جديدة تعيد رسم شكل الدول والمؤسسات والتركيبات السياسية، وحتى طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لكن، رغم كل هذه المتغيرات الكبيرة والسريعة، تبقى الشرعية هي المعيار الأساس في إعادة صياغة شكل الدولة وطبيعة العلاقة داخلها.  ويبقى التنوير حجر الزاوية لشرعية راسخة وأساس للتغيير المنشود.

د.عامر السبايلة