منذ دخول المنطقة مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، طفت إلى السطح جملة من الملفات التي أعادت مسألة الشرق الأوسط، وشكله الجديد، إلى واجهة النقاش. والحقيقة أن الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد” ارتبط دائماً بنظرية المؤامرة الافتراضية، وأسقط بالكامل النقاش الجدي حول واقع جديد تشكّل على الأرض عبر سنوات طويلة، بعيداً عن الأوهام والتخيلات.
السؤال الذي يُعاد طرحه اليوم، مع عودة ملفات اليمن والصومال وسوريا وليبيا – في المرحلة الحالية – إلى قلب المشهد، هو:
هل يمكن فعلاً الإبقاء على نماذج هذه الدول وأشكالها كما كانت قبل عقود؟
وهل يمكن بناء دول على أنقاض الصراعات، وفوق أرضيات متصدعة ومهشّمة؟
النظام العربي، الغافل عن عمق المآلات التي وصلت إليها هذه الدول، وعن الوقائع المجتمعية الجديدة المتشكلة من هويات وقناعات وولاءات مختلفة، لم يشهد يوماً توجهاً موحداً لتقديم حلول حقيقية. بل على العكس، تحوّل إلى مسرح لتجاذبات وخلافات عمّقت الأزمات ورسّخت واقعاً بات من الصعب إصلاحه.
الصومال، على سبيل المثال، غارق في معاناة ممتدة لعقود دون حلول عملية أو فعلية، وحتى التعامل مع واقعه الجديد لا يزال محكوماً بمنطق الرفض والإنكار. واليمن تُرك لسنوات رهينة الاستقطابات والتجاذبات، لينتهي إلى واقع لا يمكن التعامل معه وفق منطق الماضي أو سياسات الفرض والتجريم. أما سوريا، فقد تحولت جغرافيتها إلى حاضنة لمختلف أشكال الإرهاب والجريمة المنظمة، وتمزقت سيكولوجياً قبل أن تتمزق جغرافياً.
وسط كل هذا الدمار، لا بد من الاعتراف بأن “المؤامرة” الحقيقية تقع في مكان آخر:
في غياب مشاريع التنمية الحقيقية، وفي الفشل في بناء الإنسان، وفي استمرار نماذج حكم فاشلة لم تُمنع من البقاء، بل فُرضت كأمر واقع.
المؤامرة ليست في الخارج، بل في الإصرار على إدارة واقع جديد بعقلية بالية، وأدوات مستهلكة، ونماذج أثبتت إفلاسها التاريخي والسياسي.
وكأن العقل العربي لا يزال أسير سكون الماضي، منكراً للواقع، رافضاً لما هو قائم، مُصراً على إبقاء جثة النظام الراحل في صدارة المشهد، والتعامل معها كما لو أنها لا تزال تنبض بالحياة.
إن العجز عن التكيّف مع الواقع الجديد، وعدم فهم تركيبة العقل المعاصر، وتبني منطق الرفض والفرض، يشكّل جوهر المؤامرة التي نعاني منها اليوم في هذا المشرق المبتلى بثقافته السياسية، وعقليته، وأساليب حكمه. فالاعتراف بالواقع ليس خيانة، بل ضرورة؛ والإقرار بأن الجغرافيا قد تتحول أحياناً إلى نقمة لا نعمة، ليس ضعفاً بل وعياً. أما الانسلاخ عن الواقع، فلا ينتج إلا وصفة دائمة للصراع، والتفتيت، والاقتتال.
لا بد من الإقرار بأن السابع من أكتوبر شكّل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة؛ فما بعده لا يمكن أن يكون كما قبله. لكن الأهم هو إدراك أن هذا الحدث لم يصنع الواقع الجديد، بل كشفه. لقد كان صدمة لسياسات الإنكار، وجرس إنذار لواقع كان يتشكّل في العلن والخفاء منذ سنوات.
منطقة فُتحت على صراعات متعددة الجبهات، لا لتبقى في حالة اشتباك دائم فحسب، بل لتدخل مساراً يُعاد فيه رسم الواقع عبر طول أمد الأزمات، حيث تتحول الصراعات إلى أدوات لإعادة إنتاج الجغرافيا والسياسة والمجتمع.
ومع ذلك، وللإنصاف، فإن نقطة التحول الأعمق سبقت ذلك بكثير:
في فشل الدولة الوطنية، وتحولها إلى أداة انتهاز واستعباد، وتعميق الأزمات، وتعظيم الرغبة الشعبية في الانعتاق من نماذج لم تعد تمثل شعوبها ولا تعكس تطلعاتها.
نماذج استبدلت المواطنة بمشاريع قومية ديماغوجية، أو بشرعيات مذهبية أو إقليمية افتراضية؛ اختلفت في الشكل، لكنها اتفقت في الجوهر: القمع، والتهميش، والاستبداد، وتهشيم الهوية، وانتهاك الكرامة.
غياب المظلة الوطنية الجامعة، ومشاريع الدولة التي يكون الإنسان أساسها وغايتها، هو لبّ الأزمة.
مشاريع تحمي التنوع والاختلاف بوصفه مصدر ثراء، وتحكمها سيادة القانون باعتباره شرط البقاء والاستقرار.
من هنا، فإن مواجهة الواقع تستدعي مراجعات جذرية، تقف عند أسباب التهاوي والسقوط، في لحظة تاريخية دقيقة وحساسة. فالانهيار لم يكن قدراً، بل نتاج سياسات، وصمت، وخضوع، وتواطؤ، وتطبيع مع الخطأ حتى صار معياراً.
والحقيقة التي يجب مواجهتها دون مواربة:
أن المؤامرة الحقيقية كانت، وما تزال، في السكوت عن الخطأ…
وفي التماهي معه.
د. عامر السبايلة
